دولة القانون العربية ليست حلما

حجم الخط
0

مطاع صفدي

لماذا البحث طويلاً عن أسباب الثورة العربية الجديدة فهي الأوضح والأكثر والأغزر بالكم والكيف. إنها الواقع المعيشي والمجتمعي بجملته، يحوي كلّ الأسباب الباعثة على زلزلة الجبال الراسخة. فالسؤال الأصح إذن ليس في اجترار الأسباب المفضوحة للقاصي والداني، لكنه السؤال الأصعب: لماذا لم تحدث الثورة. وتأخرت هكذا سنين طويلة حتى انفجرت طلائعها أخيراً. هذا السؤال ينبغي أن يتبعه استفهام لا يقل أهمية وخطراً، عمّا إذا كانت هذه الثورة سوف تبلغ هدف التغيير الشامل، هو مطمحُ الجماهير والنُخب المتحركة جميعها هذه الأيام. فالقلق على مسيرة الثورة ومستقبلها القريب قبل البعيد يصاحب تحركاتها منذ بداياتها. كلّما حققت فوزاً في ساحة، تعاظم القلق والتطلع معاً إلى النصر الأكبر القادم. لكن الانقطاعات والانتكاسات هي الوجه الآخر من إيقاع كل مسيرة ثورية مهما عظم شأنها، بشرط ألا تأتيها النكسة الحاسمة التي تقمع جذورها في عمق التربة الجماهيرية. ولا شك أن القمع البوليسي والعسكري هو العدو المادي المباشر للثورة. هما معاً، القمع والثورة، يتقاسمان يتنازعان السيطرة على الشارع. فلم يتأخر انفجار الغضب إلا بسبب حرمانه من الشارع. فلقد أحكمت أنظمة القمع السلطوي سيطرتها على كل ماهو شأن عام، مادي أو معنوي. أي أنها عطّلت الوظيفة الجمعية للكتل البشرية. كل ما هو مجال جمعي سَكَنَتْه أشباحُ السلطة. يحدث انقطاع التواصل بين الأفراد، كذرات الرمال تتلامس ولا تتداخل.

حين تنتقل الثورة من النفوس إلى الشوارع يولد مجتمع إنساني مختلف؛ ساحة التحرير في القاهرة أعادت تكوين المجتمع العربي المصري، ومازالت تعيد تكوينه من إنجاز ثوري إلى آخر. وربما لم تكن عمليةَ إعادة تكوين، بقدر ما أعادت مصر إلى تكوينها الأصلي المسروق منها طيلة الثورة المضادة من السادات إلى مبارك.

نحن نقول لشعب ميدان التحرير ألا يتخلى ليلا أو نهاراً عن الالتصاق أكثر بأحجار هذا الميدان المقدسة؛ الشارع القاهري يبعث الروح في أحجار الشوارع العربية كلها. أطاح بفرعون الهرم، ويطيح بأعلى صخوره النخرة. تقويض (المباحث العامة)، ينبغي أن يكون تدميراً في الشكل والمضمون كيما يمكن التصريح بالفم الملآن أن عصر العبودية دقَّـت ساعته، وأن دولة القمع فقدت زبانيتها، أمست مكشوفة الصدر والرأس، مجردة من حراسها وأنيابها معاً. إنهيار دولة القمع يعني إبطال قوانينها، الذي يمنع الفضيلة باسم الرذيلة وحدها. هل هو مجرد حلم أن يغدو الإنسان العربي سيّدَ نفسه. أن يولد مجتمع الناس الأحرار حقاً. ماذا لو أصبح الوطن العربي ملكاً لمواطنيه الأربعمائة مليون، أين هم زُمَرُ اللصوص، القتلة ومجانين السلطة وسماسرة الخيانات والبغاء السياسي.. عندما تزول دولة القمع لن تبقى ذاكرة بريئة تستدعي وجهاً أو إسماً أو موقفاً لأحد من هؤلاء، صنَّاع الإنحطاط العربي المعاصر.

غير أن صراع الثورة مع دولة الطغيان لن يضع أسلحته جانباً بين عشية وضحاها. وإلا فسوف تكون الثورة الناقصة أخطر على ذاتها ومجتمعها من الثورة المضادة. إذ سوف تبعث اليأس سريعاً من مفاعيلها غير الفاعلة، غير المنتجة إلا شعارات التغيير وحدها. فالخوف هو من ضجر الترداد لذات الأقوال والنوايا الطيبة من دون المبادرة المنظمة، لإعادة تجهيز دولة القانون بمؤسساتها الشرعية الرئيسية. فالبديل البنيوي عن الأعضاء الفاسدة في الجسم الاجتماعي ليس صناعة إرادية فحسب، لكنه حصيلة جهد طليعي وحضاري معاً. لن تكون دولة القانون تقليداً مستعاداً من تجارب ماضية، أو نسخة مستوردة من تجارب الديمقراطيات المتقدمة. فالعقل النهضوي العربي لم يتفكر القانون الوضعي، ولا كانت له تجارب مؤسسية مع تحققاته العملية. كما أنه ليس من الممكن أو المجدي استعارة نماذج غربية قد تكون شائخة بمزاياها ونواقصها معاً. يبقى السؤال إذن: كيف، على الثورة وحدها أن تتقبل هذا التحدي التاريخي حقاً، أن تبني دولة القانون العربية لأول مرة في وقائع الحدث الاستقلالي الوطني المتعثر دائماً منذ نشأته المتواضعة والمجتزأة والمحرفة. ولعلّ أفدح ما أصاب ذلك الاستقلال هو الحيلولة بينه وبين قدرته في إنتاج سلطة القانون ما فوق كل السيطرات المختلفة لقوى الأمر الواقع سواء المتوارثة أو المفروضة. هذا لا يعني أن وزارات العدل ليست متخمة مكتباتها بتصانيف القوانين، كما هي متخمة بقاعات المحاكم ومنابر القضاة والمحامين والمتقاضنين. كل هذه (الأشياء) أشباهٌ فاقدة لأشيائها الحقيقية.

ما تنادي به الثورة العربية الجديدة عبْر شعار استرداد الكرامة لمواطنيها، هو أنه ليس له من سبيل نحو المستقبل الغريب مادامت وزارة العدل هي شاهدة زور فحسب على وقائع الحياة اليومية للظالمين والمظلومين من أغلبية الشعب المغلوب على أمره، ما قبل (ميدان التحرير) وخلاله وبعده وإن كان مشاركاً في الثورة معظمُه أو بعضه، فإنه لم يعرف بعْدُ كيف يصكَّ عملة الحريات الجديدة النظيفة ويوزعها على أعضائه بالعدل والقسطاس. ذلك هو اللغز الأخفى لمصطلح (مَكرُ التاريخ). فالديمقراطية الفرنسية، على سبيل المثال، احتاجت إلى عشرات الثورات الفرعية، ونكساتها وراءها وفيما بينها، حتى تمكنت من قطع الرحلة الشاقة بين تدمير سجن الباستيل وتشريع الحقوق الاجتماعية بعده بقرنين تقريباً. لكن ثورات العصر الافتراضي الراهن مطالبة بحرق المراحل، بقطع مسافات العقود والقرون، خلال أسابيع وأشهر فقط. ذلك أن انتصارات الشعوب في هذا العصر، تعتمد تراكم النضج الثقافي لمدنية الإنسان الشاملة، الطافحة بدروس الحرية لها ولأعدائها.

الثورة العربية الجديدة هي قديمة كذلك. لم تنبت هكذا من أرض بوارٍ، من فُجاءة التاريخ وحدها. كان لها ماضٍ عريق، وسلالة ثورات مجيدة سبقتها، ومهدت لها. إنها الثمرة الناضجة التي يكتشفها جيل الشباب المتعلم، وتلبيه الطبقات الأعمق من كافة الشعوب العربية الرافضة لمصير الذل والهوان. فهي إذن الثورة التي لن تتوقف عند الإطاحة بالرأس السياسي الفاسد مع الإبقاء على جسم النظام الذي سوف ينبت رؤوساً فاسدة أخرى سواه. ما تعنيه مطالب دولة القانون أن الثورة ترفض خديعة نفسها إذ تقبل خديعة اعدائها. فالقانون هو وحدَه المسؤول عن مأسسة الثورة وإلا أمست الثورة موجة غضب تُبدّدها موجة مضادة أخرى. ذلك ان القانون يُمَوْضع الغضب الإنساني، يمنحه عقلانية المعايير الحاسمة، الفاصلة بين البشر الأخيار وأعدائهم الأشرار. فالأساس الثابت والمؤصل في ثورات الشعوب هو الانحياز التلقائي لحاكمية العدل، بما يشكل أو يغذي نوعاً من آمرية موحدة لضمائر الأفراد والجماعة. وعلى هذا فإن أسوأ ما ينتجه جدل النهضة مع الانحطاط في حال الجولة الفاشلة بينهما، هو انهزام هذا الآمر الإنساني واختفاء هويته، ولو مؤقتاً، في صدور الخاصة قبل العامة من الغالبية المجتمعية. أما في حال صمود جدلية النهضة ضداً على جولات الانحطاط المداهم، وتعثراتها المتوالية. فالثورة الكلية هي التي تبطل الحلول الجزئية. بمعنى أن فكرة العدالة ليست مجدية في حد ذاتها، إن لم تتحول إلى أفعال الإنصاف. تلك هي دولة القانون المؤمنة بأحقية العدالة، لكنها المشرَّعة لمعايير الإنصاف، والحامية لأفعاله وإنجازاته، على مستوى التغيير المادي والمعنوي لحياة الناس.

تظلّ الثورة بعد التخلص من الحاكم الفاسد، مجرد ثقافة شعبوية، إن لم تنتج نظام عدالتها. إن لم تشرّع معه أيديولوجيا قائدة لعلاقات الإنصاف بين قوى المجتمع. إن لم يصبح القانون هو مشرّع السياسة وليس العكس، دائماً. هذه الفكرة هي بمثابة المبدأ الجوهري لكل دستور أمين على منطلقات الثورة ومسيرتها الراهنة والمستقبلية. فالثورة تتحدى ذاتها برهان القدرة على ترجمة العدالة إلى أحكام الإنصاف في كلّ شأنٍ سياسي، اقتصادي، ثقافي واجتماعي شامل؛ ذلك ليس مثلاً طوباوياً، إنه رهان التاريخ المطروح على حضارات الإنسان ومدنياته منذ بداية المعمورة. ولن تُغير الأزمنة والأحوال شيئاً، من أعراضه أو جوهره. نحن العرب محتاجون ربما أكثر من أية أمة أخرى اليوم، إلى طقسنة هذا المبدأ وجعله مصدر التشريع المركزي لدولة الحرية ما بعد التغيير السلطوي. فالمثالية أمست قابلة للبرهان الواقعي مع إنجازات ثورة العرب الشابة. لكن المهم هو تنمية المعادلة الصعبة، بل الخلاقة، بين قيادة الثورة المستوطنة ‘ميادين التحرير’ في عواصمنا المتحركة، وبين أدمغة الحكام الجُدد في المكاتب العليا للسلطة. والتجربة المصرية تستعيد دور الريادة لذاتها ولعالم عربي فاقد لثقافة الحرية والعدالة معاً؛ لا يدري حتى اليوم أية ديمقراطية لما بعد عصر الاستبداد سوف يختار؛ فما حققته ثورة القاهرة هو انها حطمت (باستيل) العرب. لكن إقامة دولة الثورة تحت عنوان القانون وحدها، ذلك هو الجهد الأعظم الذي يتطلب أوسع حضور فاعل لقوى الشعب العامل والمثقف والسياسي والاقتصادي، بمعنى أن المدخل إلى كل هذا، هو ابتكار النظام الأفضل للتمثيل الشعبي.

من هنا يمكن فهم العمق الحقيقي لهذا النقاش الدائر بين أنصار دستور قديم معدل، وآخر جديد كلياً، عاكس لدوافع الثورة وأهدافها. ذلك أن أية مؤسسات تشريعية سيبنيها دستور النظام البائد، وإن كان معدلاً، لا بدَّ أن تترجم الخارطة الانتخابية لمجتمع ما قبل الثورة خلال فترة زمنية محدودة. وبالتالي سوف يظل الهرم الإداري للدولة الفرعونية قادراً على امتصاص متغيرات وليدة، لم يتح لها الوقت الكافي لإنتاج المنظمات الحزبية الجديدة لشبيبة ميدان التحرير. فالخارطة الانتخابية الراهنة موزعة بين بقايا حزب السلطة الفرعونية، وجماعة الإخوان المسلمين. بكلمة أخرى ليس ثمة موعد قريب لقيام دولة القانون لكن الطريق المؤدية إلى (جنتها) قد شَقَّت مسارها، وإن لم يتم تعبيدُها بعد؛ تلك هي المهمة الأعمق والأبعد مدى لطلائع المرحلة الراهنة والمستديمة، المنخرطة في تشريع الثورة الاجتماعية ومعادلها السياسي اليومي.

دولة القانون لن تنهض إلا على أكتاف مجتمع الناس الأحرار صحيح، لكن متى وكيف.. لن يجازف أحد بأجوبة قَبْلية. إنها الثقة بالعربي الإنسان الذي لن تستبعده بعد اليوم سوى حريته وحدها.’ مفكر عربي مقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية