رأي القدس مفاجآت السيد عمرو موسى امين عام جامعة الدول العربية لا تتوقف، وربما لن تتوقف حتى يتقاعد كليا من العمل السياسي العام، فالرجل بارع في اتخاذ المواقف القوية المثيرة للاحترام، مثلما هو بارع في الوقت نفسه في التراجع عنها.
المفاجأة الاحدث تمثلت في معارضته للقصف الصاروخي على مواقع ليبية تابعة للعقيد معمر القذافي من قبل قوات التحالف الغربي، وقوله ان الهدف من اقامة مناطق حظر جوي هو حماية المدنيين الليبيين وليس قتل ليبيين آخرين، في اشارة الى عدد من الضحايا سقطوا من جراء هذا القصف، قال التلفزيون الرسمي الليبي ان عددهم اكثر من خمسين شخصا.
بالامس، واثناء استقباله بان كي مون امين عام الامم المتحدة، تراجع السيد موسى عن هذه التصريحات، واكد انه يحترم قرار الامم المتحدة الذي فوض الاقدام على عمل عسكري في ليبيا، وقال ان قرار الجامعة كان حاسما منذ اللحظة الاولى التي جمدت فيها عضوية ليبيا ثم تبنت قرارا يطالب الامم المتحدة بفرض حظر جوي.
نعرف الاسباب التي دفعت السيد موسى لاصدار تصريحه الاول، وهو قلقه من سقوط مدنيين من جراء القصف الغربي، حيث اطلقت بارجات امريكية حوالي 112 صاروخ كروز ضربت اهدافا ليبية، فهذه الصواريخ، ومثلما تقول تجربة الحرب الامريكية في العراق، ليست دقيقة في اصابة اهدافها، وغالبا ما يؤدي بعضها الى ايقاع اصابات قاتلة في صفوف المدنيين. ولكن ما لا نعرفه هو اسباب تراجعه عن هذا الموقف، وبالصورة التي شاهدناها بالامس.
السيد موسى عمل لسنوات مندوبا لبلاده في الامم المتحدة، قبل ان يتسلم حقيبة وزارة الخارجية المصرية في زمن الرئيس محمد حسني مبارك، اي انه دبلوماسي وسياسي مخضرم يعرف المنظمة الدولية جيداً، وكيفية اتخاذ القرارات في مجلس امنها الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وبعض حلفائها الغربيين.
ما نستغربه هو وثوق السيد موسى بنوايا الدول الغربية، وتصديقه لاقوالها بانها ستلتزم حرفياً بقرار مجلس الامن رقم 1973 بفرض الحظر الجوي، اي منع العقيد الليبي من استخدام طائراته المقاتلة ضد المدنيين، تماماً مثلما حدث اثناء اقامة مناطق الحظر الجوي المماثلة شمال العراق وجنوبه.
الدول الغربية المشاركة في هذا المجهود الحربي تفسر قرارات الامم المتحدة مثلما تشاء، وبالطريقة التي تشاء، ولهذا شاهدنا الطائرات الفرنسية المقاتلة تهاجم دبابات تابعة للجيش الرسمي الليبي وتقتل اعداداً كبيرة من اطقمها، دون ان يكون هناك تفويض اممي صريح في هذا الصدد.
السياسي المحنك لا يطلق تصريحات، او يتبنى مواقف، ثم يتراجع عنها في اليوم الثاني، خاصة اذا كان يتربع على عرش منظمة اقليمية على درجة كبيرة من الاهمية مثل جامعة الدول العربية. ولا بد ان السيد موسى يشعر بالمرارة من الوضع المحرج الذي يجد نفسه فيه الآن.
التفسير الوحيد هو ان الرجل تعرض لضغوط لا تحتمل، سواء من قبل الولايات المتحدة الامريكية وكل من بريطانيا وفرنسا، او من دول عربية خليجية نافذة تطالبه بسحب معارضته للقصف الصاروخي بالتالي.
عمرو موسى كان من اشد المتحمسين لفرض حظر جوي على ليبيا، وجاهر بذلك في مقابلة مع مجلة ‘دير شبيغل’ قبل صدور قرار وزراء الخارجية العرب في هذا الخصوص، وشارك في قمة باريس التي اعطت الضوء الاخضر لبدء القصف الصاروخي، فلماذا عارض هذا القصف بطريقة تتسم بالشجاعة، ثم تراجع بطريقة معاكسة.. انها ليست المرة الاولى على اي حال.