فاروق مازوزييزعم قصار النظر أن القذافي ‘معتوه’، لكن المتتبع لسيرة هذا ‘الدموي’ عبر تاريخه المرصع بحشر أنفه في الخلافات الداخلية، بدءا بسياسة ‘فرق تسد’ التي انتهجها في تغذية الصراعات بين القبائل ‘ورفلة والقذاذفة والمقارحة…’ وانتهاء بسياسة ‘الأرض المحروقة’ ضد خصومه ومعارضيه بدون هوادة. ولعل اعدام رفيق دربه عمر المحيشي (أشهر رشاشه في وجه القذافي وكاد يرديه جثة هامدة) وأحد أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي أعدمه على مدرج الطائرة في صفقة ‘مقيتة’ بينه وبين الملك الحسن الثاني سنة 1984 خير شاهد على ‘خبث’ القذافي وليس على ‘عتوه’، وقبلها أعدم 21 ضابطا في 1976 ‘زبدة’ ما أنجبت ليبيا من ضباط وعسكريين، بعد انقلاب فاشل سنة 1975، وهو الدرس المر الذي حفظه القذافي، وعليه باشر في ‘تمييع’ دور المؤسسة العسكرية، فانتهج أسلوب ‘تفتيت’ الجيش؛ كونه مؤسسة غير مضمونة الولاء والبراء له. بالمقابل اعتمد على سياسة تكوين المليشيات القائمة على رابطة ‘الدم والمنفعة’ فأغرقها في التسليح، وضخ الكتائب التي يتزعمها أولاده بصلاحيات مطلقة، والنتيجة كانت ‘تكلّس’ مؤسسة الجيش التي ظلت مترهلة التكوين ومهترئة التجهيز، فيما عرفت اللجان الثورية والكتاب الأخضر ومؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية ‘الركح السياسي’ الذي توزع عليه الأدوار السياسية التي ظلت هي الأخرى ‘بائسة ويائسة’، جعلت بلد عمر المختار رهينة التخلف على كافة الصعد داخليا، ومعزولة ومارقة خارجيا – في وقت قريب – ثم جاء دور خيمة القذافي (الصندوق الأسود) التي كان لها دور مهم في التطبيع مع المجتمع الدولي. وكان توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق أول من ‘طأطأ’ رأسه حتى يدخل مخدع الخيمة التي كانت مملوءة بالتنازلات النفطية والاستثمارية، على حساب دجله السياسي ودروشته الفكرية.
فمعمر ‘الخرافي’ رجل ضليع في شراء الذمم، وله باع طويل في استعمال الحسنيين ‘المال والنفط’ سواء لكسب ود، أو لي ذراع، أو شراء صمت، أو ضمان تواطؤ، أو تنفيذ مهام قذرة، والأمثلة على رصيده ‘المثقوب’ لا يسعها هذا المقال، لكن أعرج على بعضها (تفجير لوكربي. صفقة الممرضات البلـــــغاريات. محاولات اغتــــيال للرؤساء العرب – النميري والسادات والملك عبد الله – صفقة تحرير المقرحي من مخلب القضاء الدولي. قصة موسى الصدر. علاقاته الحميمية مع الألوية الحمراء الإيطالية) هذا ‘المسح والتمشيط’ لسجله ‘المثقوب’ منذ أن قاد انقلابه على الملك إدريس السنوسي سنة 1969 إلى غاية قصف شعبه وأبناء جلدته بطائرات حربية، زعم أنها موجهة للحرب المقدسة (القدس) ما فتئت حتى صارت حرب ‘زنقة زنقة’ التي وعد أنها حرب بلا رحمة وبدون شفقة، هي نتيـــجة حتــــمية ومنطقية لرجل ‘دمـــــوي’ جعــــل من ليبيا قاب قوسين أو أدنى من حرب أهلية وشيكة، قد تتحول إلى صومال ثان، يرزح تحت ‘قتــــال الأشقاء’، وهو الذي جـــــعل من كل شبر من أرض ليبيا مستودعا للسلاح والذخيرة، وأطلـــــق العنان للقبائل المتخندقة معه لقــــتال العشائر التي رفضت الانصياع له، وبهذا يكون قد غذى الفرز القبلي والنعرة العشائرية، ومنه جعل ليبيا على محــــك التقسيم والتشطير والتفتيت في أسوأ الحالات، والصوملة في أفضل الأحوال؛ بسبب ‘التعنت العنجهي’ للقذافي الذي يسبح حاليا ‘ضد التيار’ وتهديده الجريء باستعمال كل أوراقه بحرق آبار النفط، والتعرض للملاحة الدولية، وإرسال قوافل من الزوارق (الهجرة السرية) للضفة الأوروبية، ومطاردة مناوئيه ‘شبرا شبرا’ باستعمال المرتزقة ‘الأفارقة’ الذين استنجد بهم في حربه غير الأخلاقية وغير المتكافئة ضد أبناء شعبه، وهو الذي ‘أرغى وأزبد’ على امتداد أربعة عقود أن أساس الحكم في الجماهيرية هو الشعب. ولكن عندما تعلقت رغبة الشعب بإزاحته عن عرشه ‘المترنح’ هدد بأنه سيتحالف مع ‘القاعدة’، بعد أن رمى من عارضوه وطالبوا برحيله في بداية احتجاجهم بذات التهمة؟ بل جاء على لسان نجله بالبنط العريض ‘إن ليبيا ستتحول إلى صومال المتوسط’، وهو لا يتورع على تحويل ليبيا ‘صوملة متوسطية’، بل مستعد أن يتحالف مع الشيطان ‘نكاية وكــــيدا’ في من انشـــقوا عليه وخانوه، على حد تعبيره، حتى يلقنهم درسا، أو يرجعهم إلى صف الطاعة، وهو الذي حصن نفسه في باب العــــزيزية بمرتـــزقة ‘أفارقة’ أحكموا قبضتهم على كل مداخل طرابلس، والذين جلبهم القذافي من خلال علاقـــاته ‘الدسمة’ الموغـــــلة في أدغال افريقيا، وعلى رأسهم الطــــوارق الذين يشكلون ‘الوتد’ الذي تقوم عليه مليشياته وكتائبه منذ أن وعدهم بإعطائهم حق المواطنة الليبية بمنحهم الجنسية، وهو الذي أوهمهم في ‘جشعه’ التوسعي بأن يساعدهم على إنشاء دولة الطوارق ‘المزعومة’ رغبة منه في ‘بلقنة’ المنطقة، حتى يظل ‘العابث’ الأساس.
وقد تحول إلى ‘صداع مزمن’ لدول الجوار التي ضاقت ذرعا ‘بطيشه’ عندما حرض وشجع ومول وسلح تمرد طوارق مالي والنيجر ضد حكوماتهم، في تهديد صارخ لأمن وسلامة المنطقة برمتها، بل دعا صراحة في إحدى ‘شطحاته’ في منطقة تمبوكتو بمالي، عندما دعا لإنشاء كونفيدرالية الطوارق، بل أمعن إصبعه في الجرح الغائر بإنشاء قنصلية ليبية في المنطقة التي لا يقيم فيها مواطن ليبي واحد، وأفرد لها 300 مليون دولار حتى تكون ‘برج حراسة’ ليبيا متقدما، وله فيها مآرب مشبوهة ومشوهة، منها تجنيد المرتزقة، ودفع الفدية.
ولعب دور الوسيط تارة والسمسرة تارة أخرى بين كل الفصائل والحركات والجماعات التي تمتهن التهريب والإرهاب وتجارة الأسلحة والمخدرات والهجرة السرية لتحقيق حلمه ‘الوهمي’، ‘ببلقنة’ المنطقة، وهذا إنشاء دولة الطوارق حتى تكون ‘منصة’ يحلم القذافي اعتلاءها كملك ملوك افريقيا.’ أكاديمي وإعلامي جزائري