علي ربيعالأستاذ الفاضل عبدالباري عطوان، بعد التحية والتقدير:
نقدر لك وقوفك مع الحق، ونقدر لصحيفتك الغراء دعمها للثوار والأحرار في كل مكان، كما أننا نشيد بمواقفك، سواء التي تعلنها في كتاباتك، أو من خلال مداخلاتك في القنوات العربية. لقد قرأنا لك قبل أيام، افتتاحية تحت عنوان ‘الخليج والصراع المذهبي الزاحف’، جاء فيها أنه ‘قد يجادل البعض بان هؤلاء من ابناء الطائفة الشيعية، وان قطاعاً منهم، رفع صور الامام الخميني اثناء المظاهرات للتدليل على ولائهم لايران، وهذا كله صحيح، ولكن اذا كان قطاع من هؤلاء له مظلمة ما، فإن من واجبنا ان نستمع اليهم، وان نحاورهم، وان نتفهم مطالبهم وان نقدم حلولا لها’. عزيزنا الأستاذ عطوان:’منذ انطلاق الثورة المباركة في البحرين في 14 شباط/فبراير الماضي، لم يحمل المتظاهرون المسالمون صورة لأي من الزعماء الدينيين أو السياسيين البحرينيين او غيرهم، وإنما كانت يد الثوار تحمل دائماً العلم البحريني والورود التي أهديت لقوات القمع، والتي قابلتنا بدورها بالرصاص والقتل. إن رفع صور زعماء دينيين لم يحدث سوى في مظاهرات قليلة جداً لها طابع ديني بحت، ولم تكن لها علاقة بالسياسة المحلية، وحتى هذا الأمر انتهى منذ زمن بعيد، حيث يحرص منظمو المسيرات والتظاهرات على أن يرفع العلم البحريني دون سواه، والمتحمسون كانوا يرفعون قبل هذا أعلام جمعياتهم السياسية، وليس أعلام دول أخرى، وأحياناً أعلام حزب الله والحركات الفلسطينية في التظاهرات الخاصة بدعم القضية الفلسطينية.
إن الثورة في البحرين ومنذ انطلاقتها تعرضت لتشويه متعمد من قبل وسائل إعلام طائفية، لأن النظام الفاقد الشرعية في البحرين أدرك منذ احتلاله لبلادنا في عام 1783، أن بقاءه مرهون بإثارة النعرات الطائفية بين المواطنين. ورغم فشله طوال سنوات، تمكن وبسبب الهجمة الشرسة التي تعرض لها الثوّار في البحرين من كل أطراف الخليج العربي ودول أخرى مثل الأردن، من تحقيق بعض أهدافه بتخويف كثير من المواطنين السنة في البحرين والخليج من هذه الثورة.
ليس ذنب الثوار أنهم يشكلون لوناً مذهبياً واحداً، كما أن أية ثورة في العالم لا يعيبها أن تمثل سوداً أو بيضاً ما دام الآخرون، الذين يفترض بهم أن يتقدموا الثورة، قد استكانوا خوفاً أو طمعا. ولا يخفيك يا سيدي، أن شعارات هذه الثورة كانت وطنية بامتياز، وأن أصحابها وطنيون ينشدون الخير لكل المواطنين حتى لأولئك الذين اشتركوا في ارتكاب الإبادة في حقها.
للمرة الأولى منذ الأزمة الدستورية الأولى التي بدأت عام 1975، لم يحمل الثوار حجراً أو قنبلة حارقة، وردوا على جميع الاستفزازات من إطلاق للرصاص وحمل السيوف والهجوم بالآلات الحادة برفع الورود. هذه السلمية دفعت النظام للجنون، فقام بعمل الكثير من المسرحيات التي يظهر من خلالها أن هؤلاء الثوار يقومون بالقتل وإزهاق الأرواح. لقد اخترع النظام فاقد الشرعية بعض القصص في محاولة منه لخديعة الرأي العام المحلي والعالمي، وللأسف الشديد تمكن بشكل جزئي من ذلك مدفوعاً بعصبية مذهبية مقيتة.
لقد كانت الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن ثورات شعبية بامتياز في نظر البعض، ولكن ثورة البحرين وصمت منذ انطلاقتها بـ’الطائفية’، ليس لأنها بالفعل طائفية، ولكنهم ولحقدهم وسواد قلوبهم نشروا وأيدوا هذا الاتهام. أما آخرون فقد انخدعوا بهذا الاتهام بسبب سذاجتهم قلة عقلهم.
إن القوات السعودية وتوابعها التي عاثت في البحرين قتلاً وتنكيلاً كانت مدفوعة ببغض طائفي، وهم بهذا طائفيون وليس الثوار الذين ضحوا ويضحون بدمائهم من أجل عزة وكرامة وطنهم. إن ما قامت به القوات السعودية والبحرينية إبادة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ولكنها كانت إبادة مع وقف التنفيذ، لأنهم حاصروا القرى وبدأوا بإطلاق النار على كل ما يتحرك، من الجو عبر طائرات الهليوكبتر، ومن الأرض- حتى أن أحد العاملين من الجالية الهندية قد قضى في إطلاق رصاص عندما كان واقفاً بجانب النافذة لمعرفة ما يجري في منطقته -‘وأعدموا البعض بدم بارد فماتوا شهداء – وكل هذا مصور من قبل هواة – ولكنهم خجلوا في هذه الإبادة من أن يقتلوا عشرات الآلاف دفعة واحدة وفي وقت واحد.
لقد تعرضت القوات السعودية وتوابعها للأطقم الطبية، وقاموا بالاعتداء عليهم بالضرب وسرقة سيارات الإسعاف أو إعطابها لمنع وصولها إلى المصابين، ولم تسلم الطبيبات من الاعتداء عليهن بالضرب والشتم والإهانة، فيما تنوعت الإصابات للطاقم الطبي بين إصابات متوسطة وكسور في الأرجل أو خدوش بسبب السحل. إن ما قامت به القوات السعودية وتوابعها لم يقم به الصهاينة في فلسطين، لأن الصهاينة في العدوان على غزة قاموا بقصف جزء من المستشفى، فيما تركوا الجزء الأكبر يعمل رغم ضعف الإمكانيات، ولكن ما جرى في البحرين أن القوات العسكرية قامت باحتلال مجمع السلمانية الطبي، وهو المستشفى الحكومي الوحيد المؤهل في البحرين لإجراء عمليات جراحية دقيقة، فيما جرى تهديد المستشفيات الخاصة وأغلبها صغيرة بعدم استقبال أي جريح. ومنذ يوم الخميس 17 آذار/مارس، لا يدخل أي مريض إلى مجمع السلمانية إلا بعد تدقيق وتفتيش وإهانة، بعد أن تحولت إدارته إلى الجيش البحريني، وقد حوصر بالفعل العاملون وبعض المرضى فيه ولم يسمح لهم بالخروج إلا بعد يومين، فيما تعرض آخرون للضرب حينما حاولوا الخروج من المستشفى ليعودوا إليه مصابين ومهانين.
أما المراكز الصحية الحكومية، وهي مستشفيات مخصصة للإصابات الأولية، فقد تحمل طاقمها الضغط وقام بما تمكن به من علاج لأكبر عدد من الجرحى قبل أن تتعرض هي الأخرى لأعمال القصف وإطلاق النار، كما جرى مع مركز سترة يوم الثلاثاء 15 آذار/مارس. وبعد أن وجد الطاقم الطبي نفسه محاصراً بين الاستهداف والضرب والتهديد بالقتل، تحولت بعض المنازل إلى مستشفيات، وقام المتطوعون من الطاقم الطبي بالخدمة فيها، فيما ينتظر عدد من الأطباء الكويتيين والمتطوعين الإذن للدخول إلى البحرين، ولكنهم لم يحصلوا عليه بعد.
ولم تكتف القوات السعودية وتوابعها بذلك، فقامت باعتقال الدكتور علي العكري واقتادته إلى جهة مجهولة، فيما يرقد الدكتور صادق العكري في مجمع السلمانية بعد إصابته الخطيرة التي تعرض لها جراء الضرب من قبل أكثر من 15 شخصاً من قوات الأمن يوم الخميس 17 شباط/فبراير الماضي.’ولم يجد وزير الصحة الدكتور نزار البحارنة، الذي عيِّن قبل أيام في الوزارة مناصاً من تقديم استقالته، بعد أن رأى بأم عينيه كيفية إهانة القوات العسكرية للطاقم الطبي والاعتداء على بعض المرضى داخل المستشفى، مع العلم أن هذا الوزير هو أحد أكثر الوزراء قرباً من النظام، وهو تقلد ستة مناصب على الأقل في الأعوام الثمانية الماضية.’ولم يقتصر الأمر على هذا، فبعض جثامين الشهداء تعرضت للحجز لأن النظام فاقد الشرعية كان يريد من أهل الشهداء أن لا يدفنوا شهداءهم في مسقط رأسهم، بل في مقبرة بعيدة حتى لا يخرج الناس للمشاركة في التشييع والتظاهر، فيما عانت بعض العائلات من صعوبة في الحصول على جثامين شهدائها، لأن كل جهة تدعي وجودها عند جهة أخرى، وبعد أن تحولت إدارة مجمع السلمانية الطبي إلى عسكرية، أصبح الحصول على جثامين الشهداء بحاجة إلى تصريح عسكري.
إن حصيلة الشهداء والقتلى والمفقودين غير واضحة حتى الآن، ولكن تم التأكد من استشهاد 13 شخصاً، وإصابة ما يزيد على ثلاثة آلاف شخص، إضافة إلى فقدان 85 شخصاً، وهذه الأرقام تعتبر ضخمة جداً مقارنة بعدد السكان البحرينيين الذي لا يتجاوز 650 ألف شخص.
إن بحراً مداده الكلمات لن يصف صورة من صور الإبادة التي تعرض لها الشعب البحريني على يد قوات سعودية وبحرينية مدعومة خليجيا، ولا يعرف البحرينيون ماذا ينتظرهم في الأيام القادمة، ولكن كل ما جرى وما سيجري له حساب في الدنيا والآخرة عند العادل الذي لا يظلم في محضره أحد.’ كاتب من البحرينت