فرنسا تحاول استعادة دور قيادي في اوروبا والعالم

حجم الخط
0

رولا زينيلقى التدخل الفرنسي في ليبيا حتى الآن اجماعاً من قبل جميع الأحزاب الفرنسية اليمينية منها واليسارية، باستثناء الحزب الشيوعي الذي عارضه.

وكرر المسؤولون الفرنسيون فور بدء الضربات العسكرية، بأن تدخلهم انما هو بقرار من مجلس الأمن وبغطاء عربي وتأييد دولي بهدف حماية المدنيين الليبيين من بطش رئيسهم.

لكن الرأي العام العربي ليس ساذجاً لهذا الحد، ويعرف ان العمليات التي يقودها حلف شمال الأطلسي ضد ليبيا هدفها الأول والاخير هو النفط والثروات الليبية. هذا الحماس الفرنسي الذي يرأسه ساركــــوزي يأتي في اطار ‘القطيعة’ التي أعلنها الرئيس الفرنسي اثناء حملته الانتــــخابية مع كل الماضي الشيراكي والديغولي، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ويرى المراقبون ان مفهوم السياسة الخارجية لفرنسا قد تغير جذرياً مع الأزمة الليبية.. ففرنسا كانت أيام ميتران وشيراك لا تقتنع بجدوى العقوبات الاقتصادية ضد الدول، وترى ان الشعوب هي التي ستعاني في النهاية من تطبيقها، في حين لا تتأثر الطغمة الحاكمة فيها. والسياسيون الفرنسيون كانوا دوماً يتساءلون عن جدوى التدخل العسكري واجتياح بلدان اخرى ويطرحون عبارة ‘وماذا في اليوم التالي؟ أي اننا نعرف لماذا تبدأ الحروب ولكن لا نعرف كيف ستنتهي ومتى.

أثناء ثورتي تونس ومصر أصيب الوسط السياسي والفكري في فرنسا بالذهول. في تونس فقدت باريس حليفاً استراتيجياً، هو زين العابدين بن علي، وفقد الفرنسيون وجهة للتنزه والسياحة بأبخس الأسعار. اما وزيرة الخارجية السابقة ميشال آليو ماري فقد استقالت بعد فضيحة كبيرة مستها ومست عائلتها لانها كانت تقضي اجازة في تونس وتجري صفقات مع مقربين من النظام البائد.

بالنسبة الى مصر بدت باريس غائبة كلياً. فقد واكب الرئيس الامريكي وموظفو البيت الابيض الثورة المصرية وطالبوا مبارك بالرحيل ‘الآن’. مرة اخرى لم تكن فرنسا تريد الاقتناع بامكانية رحيل مبارك. الصديق الشخصي لساركوزي وشريكه في رئاسة مشروع الاتحاد لدول البحر الابيض المتوسط.

هذا التلكؤ في الدبلوماسية الفرنسية وعدم إسراع الوسط السياسي في مواكبة ثورة شعوب شمال افريقيا، دفع مجموعة من الدبلوماسيين والسفراء السابقين لنشر بيان في صحيفة ‘لوموند’ ينتقدون فيه بشدة تراجع صوت فرنسا في العالم وهيبتها في المحافل الدولية. في ذات الوقت تراجعت شعبية نيكولا ساركوزي في استطلاعات الرأي الى مستوى يعتبر الأدنى لرئيس جمهورية فرنسي منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958. لذلك كانت الأزمة الليبية مخرجاً للرئيس الفرنسي لإعادة تلميع صورته، وهو الذي ينوي الترشح لولاية ثانية بعد اكثر من عام من الآن.

بند التدخل في بلد لأسباب انسانية هو في الأصل اقتراح فرنسي. كان قد أطلقه وزير خارجية فرنسا الأسبق الاشتراكي برنار كومشير في التسعينيات، اثناء حرب البوسنة، واعتمدته فيما بعد الأمم المتحدة بعد ان أجرت تعديلاً على تسمية ‘حق التدخل’. لذلك يشعر ساركوزي اليوم بنشوة كبيرة وقد تمكن من جمع هذا التحالف وراءه للتدخل في ليبيا. فهو قد أزاح عنه صفة التابع لأمريكا، لأن هيلاري كلينتون والآخرين جاؤوا عنده وكانوا في ضيافته ليوافقوا على اقتراحه الذي اتخذ شرعية دولية بقرار من الأمم المتحدة. كذلك سيزيل ساركوزي من أذهان الفرنسيين فصل الزيارة الرسمية للعقيد القذافي لباريس، التي استمرت في ايام فرض فيها الزعيم الليبي على البروتوكول هنا خيمة في قصر الضيافة، من دون ان يقدم في المقابل لساركوزي اي صفقة تذكر مع طرابلس على المستوى الاقتصادي.

الرهان الفرنسي على التدخل في ليبيا تحت ستار ‘حماية المدنيين’ كبير وذو حدين. فهو ان نجح بفترة وجيزة على اسقاط نظام القذافي بحد أدنى من الخسائر البشرية الليبية أو الغربية يكون قد أمَّن لشخصه ولحزبه فترة ولاية ثانية، فضلاً عن عقود نفطية واقتصادية لإعادة إعمار البنية التحتية الليبية التي ستدمر كلياً من قبل قوات التحالف. أما اذا استمر القصف اياماً وأسابيع واضطر الحلفاء الى تدخل بري لأن الأمر غير مستبعد، وبدأت صور القتلى المدنيين من الجانبين تصل الى اوروبا مُطَعمة بتصريحات جهنمية للقذافي، تكون باريس قد جرت نفسها الى مستنقع كبير لن تعرف كيف تخرج منه، وستنعكس آثاره سلباً على الساحة الداخلية الفرنسية التي يعيش فيها ستة ملايين مسلم فرنسي.’ كاتبة لبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية