آدم رازقضية الطاقة الذرية لاستعمالات مدنية مختلف فيها منذ بدء العصر الذري. في هذا الجدل، ومن وراء الجدل البيئي من جهة والجدل في أمن المشروع من جهة ثانية، تكمن مصالح سياسية ثقيلة الوزن. إن الوضع الحالي في اليابان يُقوي معارضي الطاقة الذرية، وبدل الحوار المحدد العلمي، يجري الحوار في مستوى الأساطير والحكايات الشعبية. فقد أعلن نتنياهو أن ‘الوضع يجعلني أزن من جديد مشاريع بناء مفاعلات ذرية مدنية’. في السبعينيات أُثير اقتراح امريكي، بتعاون اسرائيلي، لانشاء مفاعلات ذرية مدنية في اسرائيل ومصر. أيدت حكومة رابين الاولى، بقيادة رابين ويغئال ألون، فكرة نشر التقنية الذرية لأهداف مدنية في اسرائيل ومصر على السواء. لكن الاقتراح سقط بعد استقالة رابين وتعيين شمعون بيريس وبعده مناحيم بيغن في مكانه. كان بيريس وموشيه ديان من أبرز المعارضين لدخول الطاقة الذرية الى المنطقة.
يجب ألا يكون النقص من النفط، وهو مُتوهم ايضا، السبب للسعي الى الطاقة الذرية. تكمن في الطاقة الذرية بركة لأنها مصدر الطاقة الأنقى والأشد أمنا، وذلك بخلاف الحيل التي يُجيزونها على ملايين الناس الذين يرون اليورانيوم والبلوتونيوم وقضبان الوقود كاللغة الصينية. إن استعمال الطاقة الذرية أفضى الى خسائر بالأرواح أقل وإضرار بالبيئة أقل من استعمال المحروقات الاخرى كالنفط والفحم.
إن الاستعمال التهكمي للمفاعلات الذرية اليابانية لأهداف داخلية يثير الغضب. لا يثير أحد سؤال ماذا كانت ستكون الكارثة لو كانت هناك على سبيل المثال خزانات وقود. كذلك التماثل الذي يُقيمونه بين الحادثة في تشيرنوبل والمفاعلات الذرية اليابانية يُصدق الاستعمال التهكمي للكارثة في الدعاية المعادية للذرة. كان المفاعل الذري في تشيرنوبل ثنائي الغاية، أي انه كان مفاعلا للانتاج العسكري ايضا. هذه المفاعلات، ومن غير أن ندخل في عمق المسألة، مرشحة لشغب مضاعف قياسا بمفاعلات ذرية مدنية مخصصة لاستعمالات مدنية.
إن المعارضين ‘الخضر’ للتطوير الذري ـ المدني يربطون في الأكثر بين القضية الذرية العسكرية والمدنية. معنى هذه السياسة التي لا تُقدر الخيارات هو التشويش على المشروع المدني ومنع تطوير بدائل عن النفقات العظيمة على تحميل النفط وتلويث البيئة. والمزاعم عن أمن المنشآت غير دقيقة في الأكثر ومضللة. في واقع الامر، المفاعلات الذرية المدنية أكثر أمنا من أكثر التقنيات على وجه البسيطة والمعايير الدولية التي تلتزمها الدول تُقوي الأمن فقط.
بحسب بعض التقارير، أصبحت الولايات المتحدة مستعدة اليوم لمساعدة اسرائيل على التزود بمفاعلات ذرية مدنية مع اخراجها عن الالتزام الدولي للتوقيع على ميثاق منع نشر السلاح الذري (عدم توقيع اسرائيل منع مدة سنين التعاون الدولي المعلن على التقنية والمعلومات). وهكذا تستطيع اسرائيل ان تحافظ على سياسة الغموض لديها من جهة، وان تتزود بمفاعلات ذرية مدنية من جهة ثانية. إن محاولة ربط تطوير مفاعلات ذرية لأهداف مدنية برقابة دولية على ديمونا تضر بامكانية أن تتقدم اسرائيل نحو عصر الطاقة الذرية، وتضغط من اجل تغيير سياسة اسرائيل الذرية.
في نهاية الامر، السؤال الرئيسي هو سؤال التكاليف الضخمة: هل من المجدي على اسرائيل (وبعد الكشف عن الغاز الطبيعي بيقين) أن تستثمر في مفاعلات ذرية مدنية تُقدر كلفتها بمليارات الشواقل؟ جواب هذا السؤال سيُمكّن من مجابهة قضية الطاقة الذرية بصورة أوضح، دون أساطير عن الاشعاع المسبب للأمراض الخبيثة والارهابيين الذين يسيطرون على منشآت ذرية.
معاريف 23/3/2011