إذا كان قتال الحاكم الظالم فتنة، والخروج عليه سلميا فتنة، والتشكل في أحزاب سياسية فتنة، وإنشاء الجمعيات الحقوقية فتنة، وإخبار الإعلام عن ظلمه فتنة، وكتابة العرائض بالمطالب فتنة، والتظلم على المنابر فتنة، فهل يعني أن الشرع يقر الظلم ويمنع العدل الوسيلة؟ إذا كان لمفتي أن يفتي بطاعة ولي الأمر فأولى به أن يفتي ولي الامر أولا بوجوب العدل وحرمة الدم وعدم جواز الظلم والعمالة والنهب. أما ونحن أمام فتاوى على هوى السيف والصرة فلنغض الطرف عن عورة، بل عورات من أهدى دينه وآخرته وذمته قرابين لسلامة سلطان ابتذله وابتذل علمه بل وآدميته، ليتقرر له هو – السلطان – ولأسرته دنيا السلطة والجاه والمال على مآسي أمة وتعاسة أسرها ومساخط أفرادها.. لنغض الطرف عن قراءة المفتي وحاله وسيرته ولنسائل ما أجرى الملك والأمير والرئيس على لسانه. لم يشهد تاريخ المسلمين المعاصر امتهانا للفتوى الرسمية في إقرار الظلم والبغي وإزهاق الروح بهذا الشكل وهذا الإلحاح وهذا الإسفاف، مثلما هو مشهده وشاهده اليوم على لسان ومخطوط عملاء فتوى دار الرياض.
هذا الدين الذي أهدى الناس معنى أن يكون الآدمي عبدا لله وحده، ومعنى ‘لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها’ و’أطيعوني ما أطعت الله فيكم’ و’ لو رأيتم في إعوجاجا قوموه بالسيف’ و’متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا’.. هذا الدين بهذه الأصول والتعاليم والمعاني ينقلب اليوم على ألسنة أفواه معتلة بالخوف والطمع إلى ان كبلوا أرجلكم وأيديكم وكمموا أفواهكم وابلعوا أصواتكم وكفوا أبصاركم وجمدوا أدمغتكم واطرحوا نزعة الانعتاق من الظلم لديكم، وأقيلوا خشيتكم على أرواحكم وأوطانكم ومصائركم عن أنفسكم وعقولكم، ودعوا الحاكم وأسرته وحاشيته يهنأون وينعمون بقيادتكم واقتيادكم إلى حيث يريدون ويشاؤون، وإن غشيكم ما غشيكم من مهانة وتعاسة وفقر وقهر وتخلف. إن فرعون نفسه لن يكون أسعد بسحرته سعادته بفتاوى هؤلاء لو كانوا في عصره وقصره.
يقولون: إنهم أولياء الأمر. ونسأل: من ولاهم؟ أليس المقرر شرعا أن الولاية لا تتم إلا عن بيعة؟ فمن بايعهم ومتى؟ وعلى فرض أن بيعة تمت لهم بليل، فعلام بويعوا؟ وهل من بايعهم بايعهم هم وأولادهم وأولاد أولادهم وعلى سفك الدماء والنهب ورهن البلد للأجنبي أيضا؟
يقولون: لا يجوز الخروج على ولي الأمر وعليكم بالصبر. ومع تحمل ولي الأمر هذه، هل قال أبو بكر – رضي الله عنه – لو رأيتم في اعوجاجا فاصبروا؟ وهل قال خليفته عمر – رضي الله عنه – أطيعوني وكفى، من غير تقييد بطاعة الله؟ يقولون: وهل تريدون كل حاكم أن يكون مثل عمر؟ ونسائلهم: لم تطلبون من الرعية إذن أن تكون مثل رعية عمر؟ ثم إن جل ولاة أمركم اليوم خرجوا على ولاة أمرهم بالأمس، فهل خروجهم هم حلال وخروج سواهم عليهم حرام؟ إن فتاوى وتعاليل هؤلاء القوم هي على النقيض تماما مما حفلت به نصوص كتابنا وسنة نبينا وآثار سلفنا من الحاكم الظالم. ولو كان الأمر على ما يهرفون لما تميز حكم حاكم عادل من ظالم ولما تباين واجب الرعية نحو من ظلم من الحكام ومن عدل. وإنه ليكفيك انعطافهم بالفتوى إلى حيث انعطفت المصلحة بالسلطان دليلا على تحركهم وتوقفهم بموجب آخر غير موجب الإخلاص لدين الله تعالى في الفتوى. فيوم سلك شباب مسلك عنف قالوا خوارج وأباحوا دماءهم، ويوم سلكوا مسلك سلم قالوا هذا خروج على الحاكم ولم يفتوا بحرمة سفك دمائهم، ثم لو قلبت بصرك في أسفار فتاواهم العريضة والمقتضبة علك تهتدي فيها إلى ما ينكر على حاكم البلد وعائلته فسادا أو ظلما أو اعتداء أو سطوا على حق مستضعف لولى إليك حسيرا، فيما تتداعى أمامك الفتاوى المنتصرة له ولطاعته والأخرى المحرضة على البطش والتنكيل بمن يعارضه وينازعه كرسيه ومقامه. فهل الاحتكام إلى الشرع يلزم الشعوب فقط والحاكم فيها منه في حل؟ إن من فضل الله على الناس أن قيض لهم في كل عصر من يصدع بالحق لا يخشى في الله لومة لائم. والبشرى أن أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – لا تجتمع على ضلالة أبدا. وبقدر إخلاص العالم لله يجعل له القبول في الناس، وشتان بين من ينتصر للحق ومن ينتصر رغبة أو رهبة لحاكم ظالم تشهد القبور والسجون والمنافي والمآسي على ظلمه وبغيه وفساد دينه.
سليمان الوشني – الجزائر