باريس – «القدس العربي»: زادت فرنسا من إستنفار أجهزتها الأمنية بعد أن تبين لحكومتها عدم نجاعة سلسلة الإجراءات التي اتخذتها لاعتقال «جهاديين» من أصول فرنسية عادوا من سوريا والعراق بعد قتالهم إلى جانب تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية «داعش» وغيره من التنظيمات المتشددة.
ويقول مصدر أمني فرنسي لـ «القدس العربي» إن «جل المقاتلين الذين غادروا فرنسا للقتال إلى جانب تنظيم «داعش» في العراق وسوريا، كانوا تحت عيون الأجهزة الأمنية الفرنسية، لكن كثيرين منهم فقدت هذه الأجهزة أثرهم ولم تعد تعرف أي شيء عن مصيرهم».
ويضيف:»هناك أيضا كثيرون نجحوا في الوصول إلى سوريا عبر تركيا لا تعلم عنهم أجهزة الأمن الفرنسية أي شيء، أغلبهم من القاصرين الذين تعرضوا لعملية غسل دماغ عبر الأنترنت أو مباشرة».
وأشعلت لطيفة بن زياتن والدة الجندي الفرنسي من أصل مغربي الذي كان قد سقط برصاص المتشدد الفرنسي من أصل جزائري محمد مراح قبل أن تقتله الشرطة الفرنسية في إطلاق نار معه في تولوز قبل عامين، جدلا واسعا في فرنسا حين شككت نجاح في الإجراءات الأمنية المتخذة من قبل الحكومة لوقف نزيف هجرة قاصرين فرنسيين إلى سوريا للتطوع في القتال إلى جانب تنظيم داعش وتنظيمات أخرى متشددة.
وقالت لطيفة التي ترأس جمعية باسم ابنها وتعمل في الضواحي الفرنسية من أجل حث الشباب المسلمين على نبذ العنف وتعريفهم بالصورة الصحيحة للإسلام كدين سلم وسلام، إن «الرقم الأخضر الذي وضعته السلطات الفرنسية رهن إشارة العائلات التي عجزت عن منع أبنائها من السفر إلى سوريا من أجل التبليغ عنهم غير فعال وغير ذي جدوى، مستندة في ذلك الى عدم إلمام الكثير من الأمهات وعدم معرفتهن باستخدام الهاتف، وكذلك رفض كثير منهن التبليغ عن فلذات أكبادهن خوفا عليهم من مصير غامض».
وهي تطالب باستمرار عبر عدة قنوات تلفزيونية فرنسية بحماية الشباب من ذوي الأصول العربية والإسلامية في فرنسا من تأثير المنظمات الإسلامية المتشددة التي تستفيد من حالة الإضطراب الإجتماعي التي يعيشونها في الضواحي المهمشة لتستقطبهم وقودا لمعاركها.
وتحدد السلطات الفرنسية عدد الشبان الفرنسيين الذين يقاتلون في صفوف تنظيمات متشددة في سوريا أغلبهم ضمن تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية «داعش» المتشدد بنحو 780 فرنسيا، وهناك احتمالات كبيرة بان يكون الرقم أكبر بكثير.
وتعمد السلطات الأمنية الفرنسية حتى الآن على اعتقال الفرنسيين العائدين من القتال في صفوف الجماعات المتشددة في سوريا والعراق من أجل استجوابهم وإبلاغهم بأنهم باتوا تحت عيونها قبل أن تخلي سبيلهم لوجود فراغ تشريعي في هذا المجال، أو قانون يعاقب على الانضمام لجماعة متشددة في الخارج او غياب أدلة على الانضمام إلى تنظيم إرهابي لمكافحته تحت مظلة قانون الإرهاب.
وجاءت قضية مهدي نموش الفرنسي من أصل جزائري الذي عاد من القتال في سوريا لتزيد من ذعر الفرنسيين، حين تسلل الى بهو المتحف اليهودي في بروكسل، وأطلق النار مرات عدة من رشاشه، مما ادى الى مقتل اسرائيلي وزوجته وموظفة فرنسية متقاعدة. وأصيب موظف بلجيكي بجروح خطيرة ما زال على إثرها بين الحياة والموت.
وكشف الهجوم الدموي الذي نفذه المشتبه فيه الرئيسي نموش (29عاما) عن الخطر الذي بات يشكله على أوروبا آلاف «الجهاديين» الذين توجهوا الى سوريا بعد عودتهم، حيث كان قد سافر الى سوريا عن طريق بروكسل، وتطوع للقتال في صفوف تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام لأكثر من عام قبل أن يعود إلى أوروبا عن طريق آسيا وتحديدا إلى مدينة فرانكفورت الألمانية التي ابلغت سلطاتها نظيرتها الفرنسية بشأنه في منتصف شهر اذار/مارس الماضي.
وقد باتت الحكومة الفرنسية تشعر بجدية خطر الظاهرة على أمنها حين أعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس ان عدد الفرنسيين او المواطنين المقيمين في فرنسا المتورطين بالنزاع في سوريا بلغ نحو 800 مؤكدا ان فرنسا «لم تواجه يوما مثل هذا التحدي».
وأضاف فالس «هناك بالتأكيد في فرنسا إرهابيين محتملين يمكن مقارنتهم بمحمد مراح منفذ اعمال قتل في 2012 في جنوب غرب فرنسا او مهدي نموش الذي امضى فترة في سوريا، في فرنسا تجاوز عدد المقيمين والمعنيين بسوريا الـ800 فرنسي إما لأنهم يقاتلون فيها او لأنهم قتلوا فيها وإما لأنهم عادوا أو لأنهم يريدون التوجه الى سوريا».
وتذكر قضية مهدي نموش بالشاب محمد مراح الذي اعتنق فكرا متطرفا باسم الإسلام قاده إلى كل من باكستان و أفغانستان قبل أن يقتل ثلاثة مظليين و ثلاثة أطفال ومدرسا يهودا في مدينتي «تولوز» و»مونتوبان» جنوب فرنسا عام 2012.
ودخل الرئيس الفرنسي فرانسوا اولاند على خط الأزمة حين سارع إلى تهنئة الأجهزة الأمنية في بلاده على سرعة اعتقالها للمتشدد مهدي نموش بعد دخوله الأراضي الفرنسية هاربا من بلجيكا التي نفذ في عاصمتها هجوما مسلحا على متحف يهودي.
وأشاد اولاند بجهود أجهزته في إلقاء القبض على مهدي نموش بمجرد وصوله فرنسا، مشددا على اعتزام بلاده التصدي للـ»جهاديين»، مذكرا بأن نحو 700 فرنسي توجهوا إلى سوريا بدعوى الجهاد في صفوف مقاتلي المعارضة السورية.
غير أن قضية منفذ هجوم بروكسل اعتبرت في باريس فشلا ذريعا لأجهزة الإستخبارات الفرنسية التي تراقب بشكل وثيق مئات الفرنسيين الذين عادوا من سوريا بعد قتالهم في صفوف جماعات متشددة في مقدمتها «داعش»، فرغم أن السلطات الألمانية أبلغت نظيرتها الفرنسية بوصول مهدي نموش إلى فرانكفورت قادما من سوريا عبر دولة آسيوية، إلا أن هذه الأخيرة تركته حرا طليقا وزاغت عيونها عنه قبل أن تعتقله قوات الجمارك عن طريق الصدفة في مدينة مارسيليا الفرنسية بعد عثورها على أسلحة في سيارة مقطورة سياحية كان يقودها مرتديا الملابس نفسها التي ظهر بها متخفيا على شاشات القنوات الأوروبية بعد أن التقطت كاميرات المراقبة في المتحف اليهودي في بروكسل صورا له و هو ينفذ هجومه المسلح.
ويقول لويك غارنييه رئيس وحدة تنسيق مكافحة الإرهاب الفرنسية: « فرنسا تظل هدفا رئيسيا لتنظيم القاعدة لعدة أسباب منها أنها بلد علماني يرفض بشكل صارم أي شكل من أشكال التباهي الديني وكذلك لأن جنودنا منخرطون في الحرب على الإرهاب في كل من مالي وأفغانستان وأفريقيا الوسطى لذلك فإن التنظيمات المتشددة ترى في تدخلنا ما تسميها بحملة صليبية من الغرب المسيحي ضد العالم الإسلامي».
وفي رده على سؤال حول ما إذا كانت فرنسا تستشعر خطرا وشيكا يقول المسؤول الأمني الفرنسي:» في الظرف الراهن يبدو التهديد غير وشيك، لكن مع ذلك تبقى التقديرات في هذا المجال غير مؤكدة، ونحن نعتبر بعض الشبان الفرنسيين الذين انخرطوا في تنظيمات متشددة كالقاعدة وداعش وجبهة النصرة وغيرها من التنظيمات نعتبرهم من كبار القادة في هذه الجماعات لأنهم يتدربون باستمرار على تنفيذ هجمات في أوروبا، لذلك تعمل التنظيمات المتشددة باستمرار على جلب شبان جدد من خلال غسل دماغهم وإغرائهم لأنها تعتبرهم الأنسب لضرب الدول الغربية لأنهم ينتمون إليها وولدوا على أراضيها وتربوا في حضنها وتلقوا تعليمهم فيها ويتحدثون لغاتها».
وتخشى السلطات الفرنسية باستمرار خطرا أكبر من «جهاديين» عادوا من سوريا وقاتلوا في صفوف تنظيمات متشددة لم تصلهم عيون الأجهزة الأمنية ولا تعلم عنهم شيئا، ويكون هدفهم انتظار إشارة تنفيذ هجمات إرهابية على أراضيها أو في أوروبا، وهو ما جعل الحكومة الفرنسية توجه نداء إلى عائلاتهم بضرورة التعاون مع السلطات عبر الإبلاغ عنهم، ووضعت رقما هاتفيا أخضر مجانيا رهن إشارتهم.
غير أن لويك غارنييه يقر بصعوبة المهمة حين يقول إن :» مراقبة هؤلاء الأشخاص ومتابعة تحركاتهم على مدار أربع وعشرين ساعة تحتاج إمكانيات كبيرة، ما سيتطلب من السلطات مضاعفة عدد الموظفين والضباط والعاملين من أجل رصد حركاتهم بكاملها وهذا من المستحيل، لذلك من الضروري بالنسبة للحكومة أن تعمل وبشكل عاجل على تحديد الأولويات وتخصيص الموارد الكافية لوضع الأشخاص الأكثر خطورة تحت المراقبة».
ويعتقد المسؤول الأمني الفرنسي ان عدد الفرنسيين الذين انتقلوا إلى سوريا والعراق عبر تركيا للقتال في صفوف الجماعات المتشددة يرتفع باستمرار وهو الآن يتجاوز الـ850 شخصا وقد يلامس الـ900 شخص خلال بضعة أيام دون احتساب من عجزت عيون الأجهزة المعنية عن تحديدهم والوصول إليهم.
وتقر السلطات الفرنسية بوجود فراغ قانوني لمعاقبة من تصفهم بـ»الجهاديين» الذين قاتلوا في صفوف تنظيمات متشددة في سوريا، حيث أنها لا تستطيع طرد الشبان الحاملين للجنسية الفرنسية كما تفعل مع الأجانب الذين يحملون بطائق إقامة فقط، لكنها تطالب البرلمان باستمرار بسن قوانين تمكنها من تجريد من يحمل جنسيات متعددة منها
محمد واموسي