لندن ـ «القدس العربي»: ينظر لظاهرة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) التي تجتاح شمال العراق اليوم وتسيطر على مناطق في سوريا باعتبارها التمظهر الأعلى للجهادية العالمية، والنموذج الأكثر نجاحا في تجارب الجماعات التي تسعى لفرض «نموذج» إسلامي خاضع لتفسيرها وتفسير منظريها بالعنف. وعادة ما يربط نجاح داعش بالشخصية الغامضة التي تقف وراء نجاحاته أي أبو بكر البغدادي الذي صنفته مجلة «تايم» الأمريكية باعتباره واحدا من 100 شخصية تؤثر على مسار العالم. وانتبهت المجلة قبل أكثر من عام لأهمية البغدادي الملقب أيضا بأبو دعاء وقالت إنه يقوم بتأسيس معالم دولة إسلامية تمتد من شواطيء البحر المتوسط إلى صحاري العراق. وبنفس السياق خصصت صحيفة «إندبندنت» الإسبوع الماضي افتتاحية لتحليل مباديء الدولة الإسلامية القادمة – خلافة أبو بكر البغدادي- وأكدت فيها على مباديء العقوبات وعدم التسامح مشيرة أن حدود الدولة وعاصمتها لم يتم تحديدهما لكنها في طور التشكل. المشكلة في هذا التحليل أنه قائم على تقديرات «مصادر» أمنية، وينزع أحيانا للمبالغة، فدولة البغدادي ليست أكبر من دولة حركة الشباب الإسلامي التي سيطرت على مناطق واسعة في الصومال، ولكن داعش بنت سمعتها وسلطتها في سوريا حيث برزت كبديل وإن مؤقت عن بعض الفصائل التي تعاملت مع الحرب كتجارة وصدمت السكان الذين خرجوا على الطغيان بتحولها لمجموعة من التجار والمتاجرين، هذا قبل أن يكشف داعش عن ممارساته التي اصطدمت بالإيمان والمباديء المجتمعية السورية المتسامحة في طبيعتها رغم سنوات القمع والطغيان. وهذا يفسر الحملة عليه وخروجه بالقوة من مدينة حلب ليحتفظ بمديـــنة الرقة ومناطق أخرى في شرق سوريا، وليبدأ بعد ذلك حملته في الأنبار وسيطرتها على أجزاء من الرمادي والفلوجة.
ثم بدأ عملية اجتياح الشمال العراقي ومحاولة التقدم نحو العاصمة في معركة ستحدد نتيجتها شكل العراق والمنطقة الآن، فانتصار الجماعة الجهادية كان حاسما وسريعا، ولكنه لم يكن مفاجئا، لأن انهيار الجيش العراقي في الموصل كان حتميا بعد فشل حكومة نوري المالكي بإخراج داعش وثوار العشائر من مدينة الفلوجة التي شهدت معارك حاسمة بعد الغزو الأمريكي للعراق. فمعنويات الجيش وعبثية المعركة وانفصام الجنود عن واقعهم وانقطاعهم عن المركز وفساد قادتهم واستخدام جيش المالكي مثل نظام بشار الأسد أسلحة الترويع- البراميل المتفجرة والقصف المدفعي- كان مقدمة ونتيجة لما حدث في الموصل وتكريت وما بعدهما. ولا بد في هذا المشهد أن نؤكد أن اجتياح الملثمون أصحاب القمصان السود والرايات الجهادية كان نتاجا لفشل الدولة العراقية التي بشر بها جورج بوش، الرئيس الأمريكي في العراق، وطموحه لتحويلها لواحة الديمقراطية في المنطقة تتفوق على مزاعم إسرائيل في اللقب. وما حدث في العراق الأمريكي الذي سلم لإيران أنه مهد لما يحدث اليوم في شمال العراق. ومن هنا نلاحظ الطريقة التي تحللت فيها القوى العظمى التي هندست للغزو من مسؤوليتها عن اضطرابات العراق، بدءا من باراك أوباما الذي رفض مطالب المالكي الشهر الماضي التدخل عسكريا وفي تصريحاته يوم الخميس ألمح إلى ضرورة تغيير في بنية النظام السياسي العراقي، وقبله حمل ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء العراقي المالكي المسؤولية وانضمت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون للجوقة في لقاء مع «نيوزنايت» – بي بي سي- ورددت نفس الكلام حول تخلي المالكي عن التعهد بمشاركة السلطة مع المكونات الآخرى في العراق، السنة والأكراد والطوائف والأقليات الصغيرة. مع أن الصحافة الأمريكية حملت اوباما مسؤولية ما يجري لأنه أنسحب من العراق قبل انتهاء الحرب. والحقيقة أن السياسيين والدول تحب التحلل من اللوم لكن جريمة غزو العراق هي التي فتحت الباب أمام ظهور داعش وقبلها القاعدة.
المهم في الأمر ان تفكيك الدولة العراقية القائمة قبل الغزو والتي كانت محورية ولعبت دور الحاجز للتمدد الإيراني، بنفس الطريقة التي حل فيها بول بريمر، حاكم العراق الأمريكي، في بيانه الأول الجيش العراقي المؤسسة التي ظلت تعبر عن تماسك الأمة العراقية والقوة التي ظلت قائمة رغم الضربات والحروب التي خاضتها المؤسسة العراقية في عهد صدام ضد إيران او الاكراد في الشمال. لم يفهم الأمريكيون الذين لم يقرأوا تاريخ بلاد الرافدين بعمق أن هذا العراق لا يمكن لأي مكون التسيد فيه وحكمه وأن إجماع مكوناته وتوافقها هو السبيل لبناء حياة فضلى. ولكنهم بطريقة الغرب الأمريكي جاءوا وسلموا العراق لمجموعات من المنفيين الشيعة العراقيين لا أساس لهم جاءوا يسكنهم حس الإنتقام والغضب وضيعوا فرصة تاريخية لبناء عراق يتجاوز سنوات الديكتاتورية فبنوا باسم ديمقراطية مزيفة ديكتاتورية شيعية تابعة لطهران نزعت العراق عن امتداده العربي والعالم السني، واستعدى قادة العراق «الجديد» الذين حكموا باسم مظلمة الحسين وأنهم أمسكوا بالسلطة بعد ألف عام من الحرمان ولن يفرطوا فيها كما قال المالكي الجميع. استفرد الأخير في السلطة وتحول لديكتاتور جديد يمسك بكل الوزارت من الدفاع للأمن القومي وغيرها.
كان الأمر سيتوقف عند هذا الحد لكن المالكي وزمرته من الميليشيات صبوا جام غضبهم على السنة فشنوا حملة اجتثاث وتطهير لأن صدام كان سنيا، وأخذ كل سني بهذه الجريرة. مضت على السنة أكثر من عشر سنوات عجاف ذاقوا فيها التهميش والحرمان وصمت بغداد آذانها لأصواتهم، حتى عندما خرجوا وكلهم أمل ببناء ربيع عراقي جاءت دبابات المالكي وقتلت المتظاهرين، وقبل ذلك عندما خرجوا في انتخابات عام 2010 بأعداد كبيرة للمشاركة في العملية السياسية بعدما قاطعوها عام 2005 تحايل المالكي على النتائج واجهض انتصارهم.
وعندما تعاونت صحوات السنة مع الأمريكيين وأنهت خطر القاعدة كافأهم المالكي بقطع رواتبهم وملاحقة بعضهم واغتيالهم. هذه السياسات وغيرها والإمتحان الذي عاشه السنة في العراق تظل محفزا للغضب وفتحت المجال لعودة القاعدة التي ثارت عليها القبائل السنية قبل عدة سنوات. ولكن عودة القاعدة بمسمى جديد لم يكن ممكنا بدون الحرب الأهلية في سوريا. فحالة الفوضى وغياب السلطة المركزية كانت التربة الخصبة التي نبتت فيها داعش التي تمردت على زعيمها القديم أيمن الظواهري، وساعدها أيضا آلة إعلامية ضخمة وتمويل من مصادر متعددة، بيع النفط، اختطاف ودعم المتعاطفين معها في الخارج لتكوين.
ومثل طالبان الأفغانية التي تقوت من ضعف وتشتت الأعداء وفوضى البلاد حيث اجتاحت أفغانستان في غضون عام. صحيح كان لطالبان داعم حقيقي له مصلحة بوجود قوة استقرار في افغانستان، أي باكستان لكن الإمارة الإسلامية وزعيمها ملا محمد عمر سرعان ما فتحت الباب أمام الجهاد العالمي وانتهت للمصير الذي نعرفه، واقترن هذا ايضا بقلة خبرة في إدارة البلاد ورؤية ضيقة.
ولكن المعنى يظل حاضرا في حالة داعش وعلينا أن لا نتعامل معها كعنصر واحد ووحيد في معادلة اجتياح الشمال العراقي، فهناك مكونات غاضبة تعاونت معها تكيتيكيا، ثوار قبائل، ضباط سابقون من الجيش العراقي السابق، وعناصر صوفية نقشبندية ثورية، بل وفي بينة التنظيم وخبراته ملامح من خبرة الضباط العراقيين السابقين، فالحالة العراقية على خلاف الصومال وأفغانستان والدول الفاشلة الأخرى هناك اشتراك في هوية العدو وهي حكومة المالكي، والتأثير الإيراني والتهميش والحرمان، كل هذه المكونات دفعت للإنفجار. وعلى خلاف طالبان أفغانستان، فقد ازدهرت في ظل تجاهل دولي لأفغانستان التي استخدمت أمريكا مقاتليها والأفغان العرب كجنود راجلة في الحرب ضد الإتحاد السوفييتي السابق. فالعراق في قلب منطقة تظل محل صراع إرادات ومصالح، نفط ومياه ومطالب بالإنفصال والهوية، وقدرة داعش في النهاية مرتبطة بنجاحها في تأكيد كيانها، لان على المحك مصالح أمريكا وإسرائيل ومخاوف تركيا ومطالب الأكراد الذين استفادوا من المعمعة واحتلوا كركوك «قدس الأقداس» في اسطورة التكوين التي صنعوها كتتويج ربما لعملية انفصالهم عن الجسد العراقي الذي اثخنوه ضربا منذ ولادة فكرة الدولة الحديثة فيه بدايات العشرين من القرن الماضي. تماما كما استفادوا من غزو الكويت والإحتلال الأمريكي من قبل. وأكثر من هذا يمثل داعش تهديدا للمشروع الإيراني في العراق وسوريا، ورد طهران مهم في تحديد نتيجة المعركة.
أمام داعش إذن خيارات ومعركة طويلة لبناء إمارة تبدو مستحيلة اليوم لأن الدول الكبرى لا تريد التسامح معها ولا مع أفغانستان جديدة على ضـفاف دجلة والفرات.
إبراهيم درويش