انطاكيا ـ «القدس العربي»: في أوائل نيسان/أبريل 2013 أعلن أبو بكر البغدادي في تسجيل صوتي نشر على «يوتيوب» عن اندماج جبهة النصرة بدولة العراق الإسلامية، وإلغاء مسمى جبهة النصرة تماماً ليحل مصطلح الدولة الإسلامية في العراق والشام كمعبر عن التنظيمين الجهاديين، وهو ما أطلق عليه الناشطون فيما بعد اختصاراً تنظيم (داعش).
إلا أن أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة نفى علمه بما تطرق إليه البغدادي ورفض الاندماج مع دولة العراق. وفي تسجيل صوتي له أعلن مبايعة تنظيم القاعدة وزعيمه الظواهري، رغم أن التنظيمين بقيا في حالة ودية بل واشتركا في العديد من العمليات العسكرية ضد النظام السوري في مواقع متعددة.
وخلال فترة قصيرة سيطر عناصر التنظيم على مساحات واسعة من المناطق التي حررها الجيش السوري الحر وانتزعها من قوات النظام السوري، وامتد نفوذهم في ريف حلب وريف إدلب ودير الزور والرقة وبعض مناطق ريف حمص.
ظهر الكثير من قادة التنظيم في سورية، مثل عمر الشيشاني القائد العسكري البارز والذي لقي محبة واحتراماً في البدايات وقبل أن يبدأ التنظيم بالتدخل بكافة مناحي الحياة الاجتماعية وفرض القوانين على المواطنين والتضييق عليهم، بالإضافة للتفرغ لمحاربة فصائل الجيش الحر وقتل وخطف قادته على أنهم مرتدون.
كما ظهر منصب الوالي وبرز من خلال ذلك المنصب أبو الأثير الذي عين والياً على حلب، وأسرف في سن القوانين والأمر بالاعتقالات والإعدامات، حتى أصبح تنظيم داعش مصدر رعب وقلق للمواطنين وحتى قادة الجيش الحر بدأ الرعب يدب في قلوبهم ووجدوا أنه لا بد لهم من محاربة التنظيم، خاصة بعد ابتعاده عن الجبهات وعن قتال النظام السوري الذي جاء التنظيم لأجل قتاله حسب ما ادعى.
واعتمد التنظيم في قياداته على العنصر الأجنبي والسوري معاً، وذلك بغية الإقلال من اعتراضات السوريين التابعين للتنظيم فنجد قائداً عسكرياً أجنبياً كالشيشاني، ووالياً سورياً كأبي الأثير.
وحسب الخبير بالجماعات المتطرفة الدكتور محمد الشواف فإن تنظيم داعش في سوريا كان عبارة عن «خلطة سرية تبنتها إيران في البداية لتحقيق التمدد باسم السنة» ويقول الشواف لـ»القدس العربي»: «لقد دعمت إيران تنظيم داعش بشكل غير مباشر وكان هدفها قتل السني بسني متطرف وهذا ما نجحت به، إن إيران تقوم ببلورة الهلال الشيعي من خلال داعش وذلك بصنعها لواجهة محسوبة على الإسلام والسنة بالتحديد».
ويضيف الشواف: «لقد راقت هذه الفكرة لدول غربية وإقليمية فقاموا باختراق داعش أيضاً وساهم الموساد الإسرائيلي في هذه الاختراقات، بأشكال غير مباشرة ومن وراء الكواليس وذلك إلى درجة تقديم الدعم خاصة فيما يتعلق بما سمته داعش محاربة «المرتدين»، لاسيما أن هؤلاء يشكلون خطراً على الصهاينة».
وحصل تنظيم دولة العراق والشام على التمويل بوسائل متعددة منها تقديم الدعم له من مختلف داعمي التيارات الجهادية في العالم، ومنهم شخصيات ورجال أعمال وأغنياء، كما استطاع فرض الضرائب على النشاطات الاقتصادية في المناطق التي سيطر عليها بوصفه دولة يحق لها جباية الضرائب، كالذي قام به في بعض المدن مثل الرقة مؤخراً ومطالبة الأهالي دفع فواتير المياه والكهرباء وغير ذلك.
من جانب آخر استطاع التنظيم السيطرة على العديد من حقول النفط في شمال شرق البلاد، وبدأ باستثمارها بشكل فعلي ويؤمن من خلال بيع النفط مئات آلاف الدولارات يومياً، واستطاع التنظيم بمعارك مركزة السيطرة على المعابر الحدودية التي فقد بعضها مؤخراً كمعبر تل أبيض وجرابلس والسلامة في معاركه مع كتائب الجيش الحر والجبهة الإسلامية في ريف حلب الشمالي، والتي أجبر خلالها على الانسحاب من الريف الشمالي، رغم زرعه لبعض الخلايا التي قامت بأعمال نسف وتفجير متعددة لحواجز الحر بعد انسحاب قوات التنظيم، وقد أمنت المعابر مصدر تمويل جيد بالنسبة للتنظيم، فامتلاك النفط والمعابر الحدودية يعني امتلاك اقتصاد قوي أشبه باقتصاد دولة حقيقية. والغريب أن تنظيم داعش لم يشتك يوماً من نقص التمويل أو التسليح كباقي الفصائل العسكرية في سوريا، ويعود ذلك إلى تلقيه مبالغ هائلة من مصادره المختلفة، والذي يمكنه من شراء السلاح الذي يستطيع بواسطة استخدامه الحصول على غنائم كثيرة من خلال معارك فرضت عليه أو اصطنعها.
ومن الجدير بالذكر إن التنظيم شارك في بعض المعارك مع كتائب الحر في بدايات تأسيسه في سوريا، وبالتحديد المعارك التي تنتج عن الانتصار فيها الكثير من الغنائم، إذ كان يهدف إلى الحصول على السلاح والذخائر لا لمحاربة النظام السوري بل لتقوية تسليحه وتمكينه من إقامة الدولة التي ينشدها.
وقد انطلت هذه اللعبة على عدد من فصائل الحر، إذ شهد العديد من الناشطين على صفقات بيع سلاح بين قادة من الحر وتنظيم الدولة خاصة ما يتم الاستيلاء عليه في المعارك، وكان التنظيم يدفع أسعاراً مشجعة جداً لقادة الحر ما يدفعهم لقبول الصفقة، إلى أن أعمل التنظيم سلاحهم نفسه في رقابهم.
محمد إقبال بلّو