د. محمد رضوان هل يصلح تعميم نموذج معين للثورة أو لحركة التغيير في المنطقة العربية؟ السؤال يطرح نفسه نتيجة السعي نحو استلهام بعض أشكال التظاهر والنضال من أجل التغيير، التي حصلت في تونس ومصر وعدد من البلدان العربية، على الرغم من اختلاف الظروف والسياقات ودواعي وأهداف التغيير في كل قطر عربي على حدة. صحيح أن المنطقة العربية تسودها أنماط متقاربة في أساليب الحكم السياسي، المستهدفة بحـــــركة الشعوب العربية، لقيامها على هيمنة نخبة حاكمة وصل أغلبها إلى السلطة بــــطرق ملتوية، من بينها انتخابات مزيفة، وكرست جراء ذلك مظاهر الفساد السياسي والمالي والقضائي والاستبداد في ممارسة الحكم واحتكاره وعدم السماح بتداول السلــطة بالأساليب الديمقراطية الحقيقية، وإفساح المجال لإبداء الآراء المخــــتلفة في نطاق من الحرية والمسؤولية، فضلا عن أن عددا من الأنظمة العربية سعت إلى ابتـــداع ســــياسة توريث الحكم، في تعارض صارخ مع أبسـط مــــبادئ الديمقراطية ومقتضيات دساتير هذه الأنظمة على علاتها.
إن متابعة ما يجري حاليا من حراك سياسي في المنطقة العربية تكفي للوقوف على تشابه دوافع خروج فئات عريضة من الشعوب العربية إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير، وهذه الدوافع عمقها سياسي يرتبط بإرادة تقويض أسس الحكم المبني على الاستبداد والتسلط والفساد، فيما تتجلى هذه الدوافع، من جهات أخرى، في القضاء على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانتشار مظاهر الأزمة في العديد من القطاعات الأساسية، كالصحة والتعليم والسكن والتشغيل.
ولم يعد يغيب عن وعي المواطن العربي تلازم أسباب الأزمة وتجلياتها، فأسبابها سياسية مرتبطة بأساليب الحكم، ومظاهرها اجتماعية واقتصادية وثقافية، وبقدر تصلب الأنظمة العربية أو عجزها عن حل مظاهر الأزمة بقدر ما يرتفع سقف مطالب الشعوب إلى تقويض النظام، الذي نخره الفساد كما ينخر العظم السوس، الذي لا ينفع معه علاج سوى البتر أو الاستئصال.
لكن أزمة المواطن العربي، على تشابه أسبابها ومظاهرها العامة، تختلف من بلد عربي إلى آخر، ومع ذلك تعيش المنطقة حاليا على إيقاع شبه متجانس من الاحتجاج والتظاهر في الشارع، غير أن بعض حركات الاحتجاج العربي لا زالت في حاجة إلى مزيد من التأطير السياسي والتنظيمي والإعلامي، الذي يضفي عليها فعالية ويحقق لها نجاحا أكبر.
لقد مثل نجاح الثورتين التونسية والمصرية حافزا مهما لبعض الشعوب الثائرة حاليا بمناطق متعددة من العالم العربي، إلا أن هذين النموذجين الثوريين العربيين، اللذين أسقطا اثنين من أعتى أنظمة الاستبداد العربي، يمكن أن يشكلا مصدرا لاستلهام بعض عناصر نجاح حركة المطالبة بالتغيير، لكن لا يمكنهما، في الآن ذاته، أن يمثلا نمطا أو معيارا وحيدا تقاس عليه جميع الحركات العربية التواقة إلى التغيير.
فلاشك أن أساليب التظاهر والاحتجاج التي عرفتها تونس ليست هي ذاتها التي انتهجت في مصر، على الرغم من أنها توحدت في الهدف، ويبدو أن هذه الأساليب عكست إلى حد كبير روح الوعي والإبداع لدى كل من التونسيين والمصريين، الذين تمايز كل منهم في أشكال التعبير السلمي السياسي والثقافي والاجتماعي، ضمن إصرار شعبي جماعي في تغيير رأس النظام.
وهذا التــــمايز يعكــــس إمكانية ابــــتداع أنماط وأساليب ثقافية وسياسية وفكرية مغايرة في مناطق أخرى لتحــقيق التغيـــير المنشـــود، كما أن نجاح حركــــة المطــــالبة بالتغـــيير، بقدر ما ينبغي أن تتبــين طبيعة التغيير المطلوب ومستـــوياته، بقدر ما يجب أن تدرك بوضــــوح الوسائل والأساليب الفعالة في تحقيقه، طبعا مع الحرص على إبقاء هــــذه الأساليب سلمية وحضارية إلى أقصى درجة، لأن ذلك أدعى لإعطائها مصداقية ومساندة واسعة تضع الأنظمة المستهدفة في حرج بالغ داخليا وخارجيا.
وأتصور أن النموذجين التونسي والمصري إذا كان كلاهما يعتبر جيدا في استلهام بعــــض أساليب التعبير عن إرادة التغيير السلمي، فإن ذلك لا يعني أنهما بالضرورة عمليان وقابلان للاستنساخ في مضامين الشعارات وسقف المطالب بكافة البلدان العربية، التي تتمايز في ما بينها من حيث الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإن كان الاستبداد بدرجاته المتفاوتة بمثابة العقد الذي يجمع الحلقات المختلفة لصور الحكم العربي.
فوحدة الهدف التي تجمع حركة التغيير العربي، لا تبرر في جميع الحالات الأساليب ذاتها تجاه كافة الأنظمة العربية المستهدفة بمطالب التغيير، لأن ذلك يتيح لهذه الأنظمة امكانية التكيف والتفاعل مع حركات الاحتجاج وتقويضها في عمليات استباقية بهدف تعويم المطالب أو تمييع جهود التغيير في أجواء من الفوضى والعبث أو وأدها في المهد عن طريق الاستقطاب أو القمع أو التضليل الإعلامي.’ باحث وإعلامي من المغرب