مدن عراقية تسقط في يد «داعش»

حجم الخط
12

بغداد ـ «القدس العربي»: مدن عراقية تتهاوى وتسقط في لمح البصر في مقابل انهيار واضح لبنية الجيش العراقي وأجهزته الأمنية وسط ذهول لعامة العراقيين والعالم على ما يجري في موقف المتفرج لأفعال عناصر داعش أو ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. هذه المرة يعود تنظيم القاعدة من جديد في مواجهة فعلية مفصلية مع الجيش العراقي ولكن بتسمية «داعش» في غياب الجيش الامريكي الذي انسحب من العراق في 31 من كانون اول/ديسمبر 2011 حيث حصلت بينهما مواجهة في عام 2004 وسقطت الفلوجة لمدة ستة اشهر بيد تنظيم القاعدة خارج سيطرة قوات المارينز الامريكية، ويتكرر المشهد نفسه للمدينة وهي تسقط ثانية وتخرج من سيطرة الحكومة العراقية منذ الاول من كانون الثاني/يناير 2014، ولكن ما يجعل طبيعة المواجهة تختلف اليوم عن سابقتها في 2005 هو رجحان قوة داعش الذي يتسلح بارادة قتالية كبيرة وبقدرات سلاح ليست هينة أمام قدرات متواضعة للجيش العراقي الذي يملك السلاح ويفتقر للعقيدة فضلا عن كونه جيش القائد الواحد.
ان الجيش العراقي بني عقب الغزو والإحتلال الأمريكي في 2003 على أسس طائفية وأصبح يمثل جيش الطائفة الشيعية لكنه سرعان ما تمحور ليكون جيش غالبية الحزب الواحد ونعني به حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه رئيس الوزراء نوري المالكي منذ ثمان سنوات وقبلها حكومة انتقالية بزعامة سلف المالكي في زعامة حزب الدعوة ابراهيم الجعفري. وما لبث ان تحول في غالبية قادته وعناصره الى جيش الكتلة ونعني كتلة دولة القانون بزعامة المالكي نفسه. مثل هكذا بناء انفرادي للمؤسسة العسكرية أريد لها ان تكون وظيفتها الدفاع عن كرسي الحاكم وحمايته من الداخل في اطار ثقافة ومسؤولية بوليسية خارج نطاق المسؤولية الحقيقية وهي الدفاع عن سور الوطن من التهديدات الخارجية، والأمر نفسه ينسحب على تشكيلة الشرطة الإتحادية بنفس النموذج. والإشكالية التي تطرح أكثر من علامة استفهام لدى المتابعين للشأن العراقي أمام حالة انهيار متنامية لبنية الدولة كأنها جبل من الثلج، فانهيار مدن عراقية كبرى مثل نينوى وصلاح الدين واجزاء من كركوك وديالى والبيجي والخالدية وقبلها الأنبار والفلوجة، لا شك هو انهيار معنويات لجيش يزيد قوامه عن مليون ونصف المليون مقاتل وما يقرب من ذلك من الشرطة لكنهم غير مدربين وغير مؤهلين ويطلق عليهم جيش وشرطة «الرواتب» وليس العقيدة العسكرية والأمنية، وتعود أسباب ذلك لإستفحال الإنقسام العراقي السياسي، الذي يعتبر رئيس الوزراء نوري المالكي سببا أساسيا في وجوده جراء انحيازه الأعمى لخيارات وأدبيات حزب الدعوة الذي يقوده وضيق افقه، لكن ان يبقى متمسكا بالعناد كما هي سمة حكمه ونهجه عبر سنوات حكمه الثمان فلن يطول الوضع على ما هو عليه مهما سخر امكانيات الدولة المادية والتسليحية، وواقع الحال افضى الى هذه النتائج الكارثية كما نحن عليه اليوم.
اما «داعش» هذا الاسم الذي تحطمت على يده قوة المالكي فانه غير مرغوب فيه مطلقا في العراق بما في ذلك غالبية السنة الذين يعانون الامرين من إضطهاد حكومة المالكي، و»داعش» التي انسلخت من تنظيم القاعدة واختلفت الآراء حولها فهي نظر الكثيرين مرض يتنامى ويستفحل بضعف مناعة الجسم؛ مرض ينتج عن انهيار الفكرة الوطنية، والمشروع المشترك الذي تحطم على يد حكومة عراقية تشكلت في أكثر من مرة في أحضان دول اقليمية واجنبية تكون لأيران اليد الطولى فيها ومن ثم الولايات المتحدة وسوريا سابقا، وبمشاركة متواضعة من تركيا والسعودية. لكن رغم تعميم تسمية داعش في نينوى فأن المعلومات المؤكدة تشير الى اشتراك مجاميع وفصائل مسلحة في الإنهيار الأمني هناك ومن ذلك جيش الطريقة النقشبندية والبعث وانصار السنة وجيش المجاهدين بالاضافة الى ضباط كبار في الجيش العراقي السابق.
ان سقوط الموصل في غضون نصف ساعة يوم الثلاثاء على أيدي عناصر من داعش لا يتجاوز عددهم 800 مسلح أمام قيادة عمليات نينوى والجزيرة وقوات اخرى متجحفلة معها حتى يبلغ العدد الكلي للجيش او ما يزيد عن 500 الف جندي وحوالي نفس هذا العدد من قوات الشرطة الاتحادية والمحلية. انما يعكس حالة الضعف في قيادة وقواعد الأجهزة العسكرية والأمنية العراقية واصطفاف البعض من السنة لدعم داعش ضد جيش الحكومة ليس قناعة وتمسكا بنهج التطرف الذي تتسم به داعش، وانما تخلصا من جحيم سلوكيات وتصرفات دموية تمارسها الاجهزة الأمنية بنهج طائفي وهذا يأتي تجسيدا للمثل القائل «عدو عدوي صديقي»، فالموصل والفلوجة والرمادي وديالى وبعقوبة وسامراء وتكريت وبقية المدن العراقية السنية عانت وشكت طيلة السنوات الماضية من النهج العصابوي الطائفي لحكومة المالكي، ولا مغيث ولا سميع، فضاعت قواها بين جاهلية داعش، وطائفية حزب الدعوة.
وفي تجربة العراقيين وتعاملهم مع عناصر داعش التي أخذت تسيطر على الفلوجة واجزاء من الرمادي والخالدية منذ بداية العام الحالي 2014، فان سلوكياتهم تختلف كثيرا عن سلوكيات تنظيم القاعدة في السابق عقب معركة الفلوجة الاولى في نيسان/ابريل 2004 عندما كانت المقاومة العراقية تتسم بالشراسة وتوغلت معها عناصر تنظيم القاعدة وافرزت تصرفات دموية وتحريمية قاسية جعلت الناس تنفر منها بسبب التطرف في التعامل، فداعش اليوم تبتعد عن التحريم والقتل والإختطاف ولكنها في المقابل تطالب باعلإن التوبة من عناصر الجيش والشرطة الذين يقعون في قبضتها، ورغم ذلك فقد سجل عليها قيامها بتفجيرات لمنازل عناصر الجيش والشرطة الذين رفضوا ترك وظائفهم ومسؤولياتهم الأمنية او الذين سجلت عليهم مواقف متشددة ضد عناصر داعش. وأبرز الأمور التي لم تتنبه لها حكومة المالكي او لربما حصل بسبب سرعة الإنهيار الأمني وقوع السجون العراقية في نينوى ومنها سجن بادوش الكبير والموصل، وكذلك سجون صلاح الدين وبقية السجون في مراكز الشرطة تحت سيطرة داعش واطلقوا سراح عشرات الالاف من السجناء، وهو أمر دفع عناصر داعش الى التفاخر به على مواقع التواصل الاجتماعي، واثر ذلك اطلقوا على أميرهم ابو بكر البغدادي، بأنه أول قائد بالتاريخ الإسلامي حرر ثلاثة سجون في يوم واحد. ففي الموصل وحدها سجل فرار نحو 2725 سجينا.
ان التساؤل المطروح ما هو الدافع الذي جعل داعش في هذا الوقت بالتحديد يهاجم بهذه القوة والزخم المسلح، ويزرع مشاعر الخوف والرعب في نفوس الجنود العراقيين وقادتهم بوقت قياسي ويسيطر على مدن كبيرة مثل نينوى وصلاح الدين فضلا عن الفلوجة والأنبار واجزاء من كركوك الغنية بالنفط ويزحف باتجاه العاصمة بغداد ؟ وببساطة فان المعلومات تشير الى هنالك تحولا في أستراتيجية عناصر داعش تقضي بنقل معركته من سوريا الى العراق خاصة عقب التمدد الذي أخذ ينشط به الجيش السوري هناك، مقابل دراسة عسكرية ذكية داعشية لواقع الجيش العراقي الذي أخذ الضعف ينخر في هيكليته كلما تأزمت الامور سياسيا جراء تسلط المالكي وانقلابه على الدستور وحتى على حلفائه في التحالف الوطني. واليوم وبعد احكام سيطرة داعش التي لا يرغبها السنة كثيرا على هذه المحافظات الكبيرة ذات الطبيعة السنية، فان المعركة المنتظرة ستكون عند اسوار بغداد في الأيام المقبلة اذا ما بقيت حالة الإنهيار تعشش على افكار الجنود العراقيين وضباطهم. ان هذه الضربات الموجعة اطلقت رصاصة الرحمة على سياسات المالكي وعناده ضد خصومه من السنة والأكراد وحلفاء الأمس من أبناء مذهبه مثل التيار الصدري والمجلس الإسلامي الاعلى. واذا كان منظر الإنهيار لمؤسسات حكومية على يد داعش امر مفزع ومثير لنفسية العراقي وهو يلجأ كعادته للنزوح وترك منزله بحثا عن الأمن والأمان، فأنه مشهد يذكرنا بما حصل للعراق ابان الغزو الأمريكي مطلع 2003 عندما انهار الجيش العراقي دون قتال شرس، وهذا الإنهيار التدريجي لقدرات الدولة العراقية والجيش العراقي منها انما يتحمله رئيس الحكومة نوري المالكي لكونه القائد العام للقوات المسلحة وتحت مسؤوليته ايضا وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني وأجهزة المخابرات والإستخبارات وقوات خاصة تدعى «سوات». ان هذه التداعيات الخطيرة تخلق ضبابية امام المتابعين للشأن العراقي هل سيلجأ القادة العراقيون للإستعانة بالجيش الأمريكي وفقا لإتفاقية الإطار الاستراتيجي؟ ام سيكون لفيلق القدس الايراني رأي في التدخل في الشأن العراقي للدفاع عن بغداد كما صرح أحد قادة الفيلق المذكور؟ وكيف سيكون التعامل العربي والإقليمي مع ذلك اذا ما حدث؟ وعلى كل حال فإن اوضاع العراق حبلى بمتغيرات مستقبلية متسارعة في مقبل الأيام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية