الثورة وحدها ستساوي اضلاع المثلث السعودي المصري السوري

حجم الخط
0

جمال محمد تقي يخطئ من يقحم هواجس نظرية المؤامرة بمنطلقات سونامي الحراك الشعبي الثائر والجارف الذي يعيشه عالمنا العربي، قبل ان يقلب صفحات هذا الحراك صفحة صفحة، فليس من المعقول ان يكون اعتيادنا على قبول فكرة الاستهداف بحكم واقعيتها سببا كافيا لجعلنا ننسى باننا مازلنا احياء، وبالتالي باننا نرى ونسمع ونتكلم ونتذوق وربما ننتقم، لا لشيء الا استجابة لغريزة البقاء التي تستدعي الدفاع عن النفس، هذا اذا جارينا صدى موشح الشعوب المغلوبة على امرها، نعم ليس في انظمتنا من يشرعن فقه الاختيار، لان الاختيار في شريعتها هو تسيير نحو اختيارها هي، وان تعددت الطرق والفتاوى، والالقاب، ملكية، جمهورية، اميرية، جماهيرية، توافقية، ومن هنا فان شعوبنا مجبرة على الثورة، مجبرة على تجاوز حاجز الخوف فيها. لم يعد في حياتها شيء يستحق الخوف عليه، الكرامة منزوعة، ولقمة العيش مرة، والمستقبل قاتم لاعتياد حالة الدوران الهوائي، حتى وصل الامر ببعضنا حد الامتناع عن الانجاب تيمنا بعبارة المعري ‘هذا جناه ابي عليّ وما جنيت على احد’، انظمة غبية تدفــــع شعوبها دفعا للثورة من حيث تدري ولا تدري، انظمة لا تدرك ان غــــريزة البشر كغريزة القطط ذات السبع ارواح، انظمة لا تعلم بانه حتى القطــــة، لو حوصرت وهوجمت فانها ستتحول الى نمر بوجه مهاجمها، في ذات اللحظة التي يعتقــــد فيها المهاجم بانه تمكن منها لا محال!

شعوبنا مكبلة وتمارس عليها كل فنون وبهلوانيات عصور ما قبل الدولة وبعدها، رجعية كانت ام ثورية، وهي لا تنغلب على امرها الا عندما يتشتت تركيزها بفعل الافاعيل، وان فعلت ذلك فهي لن تفقد قدرتها على استعادة قوة تركيزها ولو بعد حين، لانها مازالت شعوبا حية، فالحي وحده من يفرض طباعه حتى على المطبعين مثلا، والحي وحده من يطرق ابواب الخلاص مرة بعد اخرى، وهو وحده من يدفع ثمن خيباته عندما لا يجد متنفسا في النوافذ التي فتحها.’لقد هرمنا ونحن ننتظر هذه اللحظة التاريخية التي فجر فيها الشباب التونسي ثورة لم نكن نتخيل ملامحها حتى تجسدت امامنا’، عبارة وردت على لسان احد مخضرمي النشاط السياسي في تونس، وهو يخرج للشارع منتشيا بخبر هروب بن علي، نعم استهلكت الانظمة العربية المزمنة نفسها بنفسها ولم تعد قادرة على استيعاب ما يحصل، فقدت لياقتها، وتشحم قلبها، وتليف دماغها، وراحت تفقد احساسها بالزمن، وتركت الحبل على غارب القمع وحده وبآليات تحكمها معادلة تفوح منها روائح العفونة!

على قاعدة تجانس وتساوي اضلاع الاوضاع في مصر والسعودية وسورية يتجانس زخم الاداء المتوازن للعرب في اوضاعهم الراهنة والمرهونة باحوال بعضها البعض، الان وقد نجح الشعب المصري بازاحة كابوس مبارك، وفتحت شهيته على الحفر بالاعماق من اجل اقتلاع جذور نظامه الفاسد من تربة الدولة المصرية، فان اضلاع المثلث مختلة وذلك لتخلف اوضاع الضلعين الاخرين عن مجاراة انشداد وتوتر وتألق الضلع المصري، فالسعودية بحاجة لثورة ناجحة تصلح ما افسده نظام الحكم الثيوقراطي الفاسد والمستبد والمعيق لانطلاقة شعب الجزيرة الاصيل، بانحيازه الى العدل والانصاف والتمدن ومخافة الله، للشعب السعودي مطالبه المشروعة التي سينتزعها لا محالة من ايادي المتسلطين عليه، لان اقامة نظام حكم دستوري يستند الى ارادة الشعب وفصل السلطات فيه، نظام يحترم حقوق الانسان، ويحترم خصوصية الاماكن المقدسة في مكة والمدينة، وذلك بجعلها تحت ظل نظام اداري ومدني وديني خاص بها، يتيح للاجزاء الاخرى من مناطق البلاد التمتع بكامل الحقوق المدنية التي تقرها مبادئ الامم المتحدة الخاصة بلائحة الحريات العامة والخاصة، نظام يستثمر موارد النفط لشروط التنمية البشرية والمادية المستدامة، نظام يعتمد اسس العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، نظام شفاف ونزيه يعتمد على المؤسسات المنتخبة التي لا تأبيد للسلطة فيها، نظام الملك فيه يملك ولا يحكم، والدين فيه لله والوطن للجميع، نظام فيه حقا العدل اساس الملك والحكم، نظام لا يرشي شعبه ويشتري ضمائرهم، نظام لا يستخدم خدمته للحرمين ذريعة لاستعباد شعبه، فاذا كانت خدمة الحرمين لوجه الله تعالى فمن الواجب ان تكون خدمة الشعب لوجه الشعب والله معا، لان حرمة بني البشر من حرمة الله، اي من الواجب ان يكون خادم الحرمين خادما لشعبه وحقوقه المشروعة التي يقرها الدين الصحيح اولا.

الضلع السوري وهو اكثر الاضلاع حساسية، بحكم مواجهته الحادة مع خطوط كيان نجمة داوود المتأبط شرا بكل العرب، هو الاخر يعاني من هزال وتهتك بحكم طفيلية وبيروقراطية نظام الحكم فيه، فالحزب القائد رغم جمهوريته لكنه قائد للابد ورئيسه رئيس للابد، ومن لا يدخل الحزب لا يدخل الجنة، الحريات مقيدة وحقوق الانسان مجمدة، نظام لا يختلف كثيرا عن محتوى الحكم السعودي من حيث علاقته الامنية بالمواطن، على الرغم من الاختلاف الشاخص بين النظامين في مجالات السياسة الخارجية والايديولوجية، التي يعزيها الحكم السوري الى مبادئ مقاومة نزعة الهيمنة الامبريالية، ومقاومة الصهيونية كسرطان تعاني منه المنطقة برمتها، سيمر قطار الثورة الشعبية السلمية بسورية حتما، ولابد ان يختار النظام فيها بين ركوب القطار او التصادم معه، والاحداث الاخيرة في دمشق ودرعا هي البداية فقط.

ان انسداد افاق الاتفاق المتوازن بين البلدان الثلاثة في قضايا ملحة ومؤثرة على المنطقة برمتها، كالاوضاع في لبنان والخليج وفلسطين، يفقد البلدان الثـــــلاثة مجتمعة الكثير من عوامل القوة والتأثير، ولا اعتقد ان هناك سبيلا لفتح الانسدادات الحاصلة الا بارتفاع الحالة السورية السعودية لمستوى الحالة الثورية شعبيا ورسميا في مصر، ليس على الطريقة السعودية الضاغطة على ثورة مصر من اجل استبقاء مبارك وحاشيته بعيدا عن المساءلة، للتغطية على فسادة الذي يقدر نقدا وعدا بحوالي مئة مليار دولار، وهذا ليـــــس حبا به وانما كرها بالثورة ومحاولة للتملص من فضائح الرشاوى الاستثمارية لرجال الاعمال التابعين للاسرة المالكة في السعودية، وايضا ليس على الطريقة السورية الخائفة من انعكاسات التحول المصري عليها، وانما على طريقة الاصلاح الحقيقي للوصول الى مستوى يقارب الحالة المصرية ومن دون الحاجة لخالع ومخلوع. ‘ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية