خيري منصور
كي لا تبقى الثقافة في اكثر مفاعيلها واطروحاتها اتصالا بالمجتمعات وحراكها خارج هذا المدار الصّاخب، تعالوا نفك ما سماه ارنست همنغواي العناوين الكبرى الأشبه بورقة من فئة الألف دولار الى سنتات، فالتفاصيل الآن مؤجّلة والغابة تحجب الشجرة، وما يدورمن سجال بكل تجلياته السياسية وشبه الثقافية الآن حول ما يتخلخل من النسيج التالف لعالمنا العربي لا يبدأ من الجذور. وكأن هذه المشاهد الدرامية منقطعة عن عوامل تكوينها وتراكمها، قبل أن تبلغ لحظة الانفجار، وأول نقطة ضائعة في المطارحات الرائجة الان عبر مختلف وسائل الميديا هي أن النظام العربي الرسمي سياق آخر منقطع عن السياق الكلي بل العضوي الذي تتشكل منه تربوياتنا وبالتالي ثقافتنا وأنماط سلوكنا، فمن الناحية التربوية والمكونات السايكولوجية للمقهورين، يصبح النظامان الرسمي والشعبي توأمين، لكن كلا ً منهما كانت له بوصلته وعندما أزفت لحظة الافتراق الحاسم، بدت المسألة كما لو أن هذا النظام الباترياركي القائم على منطق الاستحواذ والاحتكار والوصاية جاء من كوكب آخر، وربما لهذا السّبب لم يعبأ الساسة والمثقفون معا بالبعدين الاجتماعي والنفسي للشخصية العربية، على الأقل من خلال ذلك المنظور الذي عالجه عشرات الاكاديميين ومنهم علي زيعور في دراساته عن الذات الجريحة ود.
صادق العظم في كتابه النقد الذاتي بعد الهزيمة، وسيد ياسين في كتاباته عن الشخصية العربية، ود. حامد عمار الذي رصد على نحو منهجي ما سماه الشخصية الفهلوية، اضافة الى الكتاب الشهير للدكتور مصطفى حجازي وهو ‘سايكولوجيا الانسان المقهور’…. تلك النظم بكل طواقمها ورهائنها من الموظفين المتخصصين في تبرير اخطائها وخطاياها هي من افراز ثقافة وتربية تخصنا جميعا، السلطة والمعارضة، والرسمي والشعبي، لهذا سيكون اسقاط نظم وحكومات اشبه بكشط بثور متقيحة ودمامل على الجلد، وتبقى الجرثومة التي تسببت في هذا الوباء هاجعة في الدم. وهنا أعترف بأن المثال اللبناني في هذا الحراك الذي اصبح قوميا بامتياز استوقفني رغم شحة الإضاءة عليه، لأنه قدّم نموذجا مغايرا، فالمظاهرات الشبابية فيه طالبت باسقاط ثقافة ومفهوم، وتجاوزت حدود الشخصنة والافراد، لأن المطالبة باسقاط الطائفية هي مطالبة باسقاط ثقافة ضالة، ومفهوم مزمن استمد شرعية بقائه من التكرار والبطالة السياسية التي أتاحت له ان يملأ الفراغ، وما يفسر لنا الظاهرة التناسخية في النظام العربي وتنافس شهاب الدين واخيه على ما هو أسوأ، بقاء الحاضنات التربوية على حالها، فالحداثة لم تتجاوز بشرة الجلد الى أَدَمَتِهِ، وبقيت مجرد تشكلات خارجية أشبه بما سماه ازوالد اشبنجلر التشكلات الجيولوجية الكاذبة او السّراب الذي تبتكره العيون الظمآى والكليلة، لأنها تفكر على نحو رغائبي فلا ترى غير ما تشتهي رؤيته ولا تسمع غير صدى صوتها!* * * * * * * * ما هو بحاجة اكثر من ماسّة الان في عالمنا العربي الى حراك مضاد هو تلك الثقافة المحروسة بأعراف مسلّحة، ويقين مدجج بالمسلمات وما لم نعد الى اول السطر لفحص التربويات السائدة التي غذت الفهلوية والانتهازية وبالتالي عوامل الإفساد فإن المعالجات سوف تبقى خارجية وأشبه بجرعات تخدير موضعي للوعي.
وهذه مناسبة لاستذكار موقف لم يغادر ذاكرتي منذ عشرين عاما، عندما شاهدت امرأة تقود طفلا في العاشرة وتمر بالقرب من دكان لبيع الحلوى، رأيت الطفل يبكي ويشدّ امه من طرف ردائها لأن لعابه سال على قطعة حلوى خلف الواجهة الزجاجية وبعد حوار لم اسمع تقاصيله بين الام والطفل سمعتها تقول له: سأشتري لك بشرط ان لا تخبر اخوتك، وان تأكل الحلوى قبل الوصول الى البيت…. للحظة تخيلت هذا الطفل وقد اصبح ضابطا او مديرا لمؤسسة او رئيسا لدولة… كيف سيفكر بالآخر حتى لو كان شقيقه؟ وكيف سيكون تعامله حتى مع نفسه؟
الطفل الذي رضع مواعظ سامة من طراز اكذب كي تنجو، وقبّل الكلب من فمه كي تأخذ حاجتك منه، وقل لمن يتزوج امك بعد موت أبيك يا عمي، وامش بمحاذاة الجدران وقل يا ربي الستر، وعلى قدر فراشك مدّ ساقيك، واخيرا لا تفكر لها مدبّر!!! واقبل بما تظفر به واخضع لمن هو أقوى منك لأن الكف لا تلاطم المخرز… ان من اخترعوا هذا المثل عن خضوع الكفّ للمخرز لا بدّ انهم كانوا أميّين ولا يعرفون ان للكفّ وظائف اخرى منها الكتابة والنحت والرسم والعزف اضافة الى الصَّفع، تلك هي التربويات المشبعة بالخنوع والامتثال والتأقلم الحربائي من أجل النجاة، ولو الى حين، وستبقى هذه الثقافة تلد المسوخ تلو المسوخ اذا لم يعد النظر فيها جذريا!* * * * * * * * * *ان من تسيطر على أذهانهم عادات ما قبل الكهرباء وما قبل الدولة وما قبل المواطن هم رعايا سوف يخترعون الراعي وعصاه اذا لم يجدوه واذا كان العالم العربي يودع نظما فقدت صلاحيتها بجرار فخار وشماتة، فذلك لأن تلك النظم عاشت بفضل فائض الجهل والأمية والبطالة السياسية، وربما ما قبل الماغناكارتا والعقد الاجتماعي بعدها بقرون! وكان امام تلك النظم ومن يطفون على سطوح مستنقعاتها ان يفاضلوا بين لقبين، احدهما الرئيس السابق والآخر الرئيس المخلوع، لكنهم فضّلوا الخُلع السياسي على أي شيء آخر لأنهم حلموا بالبقاء على قيد الحكم حتى القيامة ومن تصل المسافة بين حلمه ومقدرته على ترجمة هذا الحلم الى هذا الحد لا بد من أن يعاقب بدفع الثمن مضاعفا، فهو سيصبح سابقا رغما عنه ومخلوعا من الناس الذين ظن ذات يوم انه تزوّجهم او تحولوا الى ما ملكت يداه! لهذا فإن تحوّل الطلاق من أبغض حلال عند الله الى أحب حلال لدى الشعوب هو تعبير عن حالة الضيق والاختناق التي احسّ بها هؤلاء، لأن العلاقة في العمق وبعيدا عن واجهات الاعلام الداجن والشاشات التي تحترف التزوير هي اغتصابية، وقائمة على اختزال المحكوم من انسان الى رقم أصمّ.* * * * * * *ما نراه بوضوح وسط هذا الصخب المغمور بالدخان والغبار هو ان النظم المستبدة تخلع لكن الثقافة التي أرضعتها وأوهمتها بالبقاء الى الأبد لا تمسّ بأذى، والعلاج الذي يقشر البثور عن الجلد بما تراكم فيها من قيح لا يذهب الى ما هو أبعد وهو فحص الدم الذي أفرز هذه الأعراض، والتي لم تعد جانبية على الإطلاق، وحين تبدو الثقافة بكل اطروحاتها المتأنقة والتي تزدهر في مواسم البطالة السياسية خارج المشهد فإن دلالة ذلك هو اقتصار الحراك على بعد واحد، هو البعد السياسي حتى في الحدود الاجرائية، والحقيقة هي ان الثقافة المضادة بأمصالها الباسلة التي تقدم وقاية من تكرار الوباء السلطوي يجب ان تكون في مقدمة المشهد، ومبثوثة في كل تفاصيله.
لكن السائد الثقافي هو المرادف للسائد السياسي والاجتماعي ايضا، والوعي المطابق لهذا السائد لا يرجى منه أي شيء يعكس الوعي المفارق الذي يتعاطى مع الواقع جذريا، ويدرك ان لا قيمة للبثور والدمامل اذا كان هناك علاج فاعل للدم ولمجمل العافية… فمتى ستعاد النقاط الضالة الى هذه الحروف المُبهَمة؟
؟ ؟