قصة اخرى عن الحب والظلام

حجم الخط
0

جدعون ليفي

في طريق العودة من طوكيو، في مطار زيوريخ، رأيت قبل نحو اسبوع مسافرا اوزباكيا أو ربما كان كازاخيا، مُحلى بخواتم ذهبية كثيرة، يقرأ كتابا بالالمانية هو: ‘قصة عن الحب والظلام’ بقلم عاموس عوز. الحقيقة أنني أُصبت بالفخر وانشرح قلبي. قبل نحو سنتين في مكتبة الاسكندرية المجددة، رأيت قارئا مصريا يستعير ذلك الكتاب. وأُصبت آنذاك ايضا بالفخر وانشرح قلبي. في مستوطنة عوفرة رأيت كتب عوز على الرفوف. حتى ان الحاخام، ابراهام ربيتس، كشف لي قُبيل موته عن انه يقرأ في الخفاء عاموس عوز.

لم تعد توجد حاجة بطبيعة الامر الى إكثار الكلام في نجاح عوز الأدبي في العالم كله، وفيما لا يُحصى من الترجمات والنسخ والجوائز والاجلال الذي أتاه به أدبه وأتى اسرائيل. لا يوجد اليوم اسرائيلي يثير الفخر في العالم أكثر منه. لكن في ‘أساف هروفيه’ عندنا قُطع مسار النجاح هذا: ففي هذا المشفى الضيق التفكير استقر الرأي على الغاء مؤتمر تكريم لاطباء متفوقين بمشاركة الأديب الوطني الفائز بجائزة اسرائيل بعد أن احتج أحد الاطباء على دعوته.

ولماذا احتج الطبيب؟ لان عاموس تجرأ على ارسال نسخة من كتابه ‘قصة عن الحب والظلام’ الى مروان البرغوثي في سجنه مع إهداء يقول: ‘هذه القصة هي قصتنا، وآمل أن تقرأه وتفهمنا على نحو أفضل. ومؤملا أن ترى قريبا السلام والحرية’ ـ كما هو مناسب للبرغوثي.

أشك في ان يكون الطبيب المحتج قد قرأ الكتاب، لكن أمر الغاء دعوة عوز الى المحاضرة أمام رفاقه الاطباء هي قصتنا. قصة الحب والظلام: فقبل كان الحب (لعوز) والآن حل الظلام (بنا جميعا)، ظلام كبير فوق العماء: هذا صيد ساحرات قبيح بلغ الى عوز وهو أديب منتصف الطريق، صهيوني ووطني في نفسه كلها.

لم يكن عوز قط متطرفا. حتى انه قد أيد عملية ‘الرصاص المصبوب’ في بدايتها، لمزيد الحرج الى أن تيقظ سريعا ودعا الى وقف اطلاق النار واعترف بأنه لم يكن أي تناسب بين المس ببلدات الجنوب وبين الضربة الوحشية التي أوقعها الجيش الاسرائيلي بغزة. في مقابلة ذلك، كان كتب ذات مرة في صحيفة ‘هآرتس’ في شجاعة ان ‘حماس ليست منظمة ارهابية فقط، حماس فكرة، فكرة يائسة متطرفة… ولم تُهزم فكرة قط بالقوة’. ولقد قال دائما مع رفيقيه الأديبين أ.

ب يهوشع ودافيد غروسمان، وهم الثلاثة المختلفون فينا، كلاما صحيحا وإن كان ذلك متأخرا كثيرا جدا احيانا.

مع كل ذلك، يجب أن نحني الرؤوس تقديرا وإجلالا لمشاركة الثلاثة الاجتماعية والسياسية، كل واحد بطريقته وكل واحد بأسلوبه فيما يجري في اسرائيل. ففي الوقت الذي يصمت فيه أكثر الفنانين والمثقفين فينا، ويُطيعون ويلائمون أنفسهم مع الإملاء، لئلا يجري الاضرار بهم، وهم الجبناء والرجعيون ـ لم ينطو عوز ورفيقاه قط في غرف كتابتهم. في مجتمع ساكن صامت جدا لم يصمتوا. كانوا مصباحا، صغيرا جدا احيانا، لكنه مصباح ينشر حزما من النور تستحق الذكر في الظلام.

كان عوز يستطيع ان يستريح فوق أوراق غاره الكثيرة. أن يكتب كتبا ويحصد جوائز ويقطف نجاحات أكثر فأكثر. لكنه فضل بدل ذلك ان يرسل كتابا الى البرغوثي، مع إهداء صادق مصيب جدا. يا للهول: طلب عوز ان يعرفنا البرغوثي معرفة أفضل. لكن حتى هذا في اسرائيل 2011 كان كافيا لاثارة شدة الوطء العام وسد الأفواه. فليس البرغوثي وحده هو الغول بل عوز الآن ايضا.

لا يحتاج عوز الى اطباء أساف هروفيه، الاطباء محتاجون اليه: اذا كان هذا المشفى قد ألغى دعوته فان هذا المشفى مريض جدا. لم يعد الحديث الآن عن الشارع المُحرض وعن السوق المتحمسة ولا عن اليمين المُضلل ولا عن الحاخامين الظلاميين ـ لقد تسللت الظلامية الى غرف الاطباء ووقعت النار في الأرز. لم يعد يوجد عضو الكنيست السخيف داني دنون فقط الذي دعا الى الغاء جائزة اسرائيل لعوز، فعندنا الآن ايضا اطباء يغلقون الأفواه. وأصبحت هذه في الحقيقة قصة عن الظلام.

هآرتس 27/3/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية