سلطة الحيوان وثورة الإنسان

حجم الخط
0

يبدو أن الإعلام كان صانعا للثورة.. الانترنت، الفيسبوك، قناة الجزيرة التي التزمت بمبدأ حرية التعبير وبالتالي حرية الشعوب، كما أنها كانت دوما تضطلع بدور رسالي هو في عمقه كسر جدار الصمت وانتهاك حرمة الذين نصبوا أنفسهم أسيادا. كانت بحق فارسا يحمل سيف الحقيقة ليقطع به رؤوس الزيف والبهتان والكذب، همها في ذلك نهضة العرب واستحقاقهم لوجودهم.حارب بن علي دوما الجزيرة ومبارك حارب أداة الثورة وقت الثورة، أما القذافي فانه أوغل في ذلك، وحاول أن يخلق من ليبيا ـ وإن عجز عن ذلك، فطرابلس وما بقي تحت يديه من أرض اعتبرها ملكا شخصيا له – مستوطنة مغلقة لا تستمع إلا لأكاذيبه الدنيئة وأراجيفه البدوية المجنونة وكأنه ‘أوليس’ في أسطورة ‘الأوديسا’ يسد آذان صحبه بالشمع حتى لا يستمعوا إلى أغاني عرائس البحر. كان هذا شأن ‘الجمركيات العربية’- المصطلح الذي أطلقه الدكتور منصف المرزوقي – التي تزعجها أغاني الثورة وإيقاعات الشعب وسيمفونيات الانعتاق. منطق التهميش والإقصاء. لم يصدق بن علي رفض الشعب له، فما هي إلا فئة ضالة ملثمة، أما اسطوانة مبارك فكانت ‘الإسلاميين’ وزاد عليهم القذافي الموغل في كل شيء، فهم ‘القاعدة’ ومستهلكو حبوب الهلوسة بل هم جرذان.لقد صدق القذافي، كل الشعوب العربية جرذان عند الحاكم العربي الأسطوري الذي يملك كرة مرآتية سحرية لا يرى من خلالها إلا ما يشتهي، فهو الذي يخلق أعداءه وصحبه مثلما يخلق نضالاته الزائفة وتضحياته التي لا يقدرها غيره. حاكم في منتهى الجهالة والقذارة ولا يفقه في السياسة بقدر فقهه بالإجرام. حاكم مريض بنرجسيته المتورمة، أتراه فرعون قد صدق فعلا أنه إله؟ من الأكيد المؤكد أنه لم يثقب جدران السماء لينقشع حجم الاحتقار المستبطن بين غيومها ووراء شمسها. كان بورقيبة يسبح أمام مرآته السحرية متخيلا أن الشعب يستمتع بالنظر إلى قوام الزعيم ورشاقته في السباحة، والقذافي يتفنن في مظهريته البهلوانية معتقدا أن الشعب ينبهر بصيحاته الغريبة في عالم الموضة، أما مبارك الطيار ففي مرآته بدا الشعب يهلل للنسر الأشوس فاتك الأعادي وذاك بن علي رأى الشعب يحتفـل بثقافة الرئيس الواسعة وبيت حكمته وكرسي حضارته. كل الشعوب العربية جرذان عندهم بما أنها صدقت ما أجهدوا أنفسهم لتصديقه في أنفسهم حتى أن الحلاقة غدت دكتورة وسيدة فاضلة وأولى.. يا للمهزلة. مد الله لهم في غيهم وعميهم وطغيانهم حتى هوت عليهم مطرقة الشعوب الكاسحة. يا لصدمة الحاكم المتهاوي، لم ينجز شيئا، لم يمارس السياسة يوما، كل ما كان يقوم به ليس إلا رقصة التعري حول عمود الحقيقة.مطرقة الشعب كانت هي مطرقة الحقيقة. قليل من الكذب قد يمر عبر معارج الذهن فلا يؤثر قليل السم في البدن، أما كذبهم فهواء مسموم قتل العقل الإنساني. لم يمارس الحاكم العربي السياسة، بل اقترف جريمة ضد الإنسانية مهولة. لقد ألغوا الإنسان. ما الإنسان إلا حرية وكرامة ووعي. ‘الحيوان يعيش أما الإنسان يكون’ على قول الدكتور مطاع صفدي، مضيفا أن’ الإنسان الحيواني يصارع من أجل البقاء والإنسان الإنساني يصارع من أجل الاعتراف’. حين قتـل الحاكم العربي من الشعب الثائر فانه قتل نفسه لأنه حكم الإنسان الحيواني المماثل له ولم تكن له قابلية استيعاب ما تعنيه إنسانية الإنسان المضحي بالبقاء في سبيل الاعتراف به. الهوة كانت شاسعة بين منطق سلطة الحيوان وثورة الإنسان.غادر الإنسان العربي الصحراء موليا وجهه ناحية المدينة ليستوطن فيها فعالم اليوم مدن زاهية وما أنشأته عبقرية الطغاة لم تكن إلا مقابر عشوائية وأحجارا متركمة من دون فن أو هندسة جمالية إنسانية فما هي إلا صحراء متشكلة بأشكال مدنية باهتة المعالم شبحية الرؤى. تلك كانت انجازاتهم التي يتفاخرون بها والتي لفظها الشعب كما بصقهم من فمه ‘إرحل’. وعود إلى مطاع صفدي القائل:’ انه في المدينة فحسب يأمر الرجال الأحرار الرجال الأحرار.. وهنا فإن الكلي ‘اليونفرسالي’ هو نظام الفرد الحر الذي يطبقه كل حر آخر بالنسبة إلى نفسه كذات، وللآخر كذات نظيرة لي، وكأنها لي ولكنها ليست لأحد بعينه.. فالمدني استطيقي جمالي واقعيا، ويصبح كل ما كان ارادويا وقصدويا أفعالا تلقائية، ويفاجئ وجودها كل معرفة وتعريف لها سابق…’لذالك سميت ثورة تونس بثورة الياسمين لأنها استطيقية جميلة مدنية وعفوية. تلك العفوية التي سبقتها الإيديولوجيات الثورية لكن الشعب أنجز ثورته بعيدا عن مقاصدها وإنما فقط حين رن الجرس الإلهي.هيثم شطورو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية