عوني الجيوسي كان التعليق الوحيد لإحدى زوجات الملوك العرب على موقع تويتر بخصوص الثورة المصرية هو تمنيها للمصريين أن يعيشوا في ‘أمن’ و’ استقرار’. قد يكون هذا التعليق، بحق، الشاهد الأروع على انفصام الطبقة الحاكمة العربية عن كل ما يجري حولها واغترابها المزمن عن الجماهير، واعتقادها، فوق هذا وذاك. أن العربي في أيامنا لا هم له سوى أن يذرع الشوارع آمناً، لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، وأن مفاهيم الحرية والكرامة الإنسانية لا تعنيه في واقع الأمر، لأنه أسمر الجبهة ولا ينتمي لسلالة آرية متفوقة. منذ أن طوى المندوب السامي حقيبته الكولونيالية، وميليشيات ‘الأمن’ و’ الاستقرار’ العربي تمارس ارتزاقها الوطني المنظم بحق البشر، وتعتقد أن لها حصةً مشروعةً في كرامات الناس وحياة الناس وأرزاق الناس، لا لشيء إلا لأنها تمنع شلال الدم الأسطوري من الفيضان في شوارع المدن، وتقوم بمقايضة إلزامية لكرامات البشر بفتنة تـدّعي باستمرار أنها على شفير الاندلاع. إن التعاطي مع الرؤية الأمنية العربية مهمة عسيرة بغير شك، خصوصاً أن النشاط الأمني في بلادنا ينتمي لحيّز غريزي أكثر من حيز إداركي عاقل، وهو ينطلق من دوافع بقائية أولية أكثر من فلسفة لمفهوم الدولة ودور القوة ومعنى المواطنة. لكن غريزية المحرِّك الأمني تتستر ـ عقلانياً – بمقولتي الأمن والاستقرار، إذ يجد فيهما النظام شرعنة عابرة للنقد، لأنهما، أيضاً، يلعبان على وتر غريزي لدى الناس، ويذكرانهم ببديل دموي وشيك، يختلج طيلة الوقت تحت سطح التراب. كتب ناصيف نصّار يوماً، وآخرون من قبله، عن بصمة سلطة الوالدين على أبنائهم في سلطة الدولة على مواطنيها، وكيف تبقى تلك التجربة السلطوية مخزناً أثيراً لسلطة الحاكم على رعيته، خصوصاً في الدول التي لم تنفطم حضارياً ولا يزال الفرد فيها مركزاً للسلطة. أي فارق بين أمٍّ تتوعد طفلها بوحش أسطوري ينبع من تحت السرير إن لم يخلد إلى النوم، وجهاز أمني يهدد الناس بفتنة قاصمة إن لم يفضوا اعتصامهم ويعودوا إلى منازلهم ويخلدوا هم الآخرون إلى النوم؟ لقد ركّب نظامنا العربي مقولاته في الدولة عبر لفق مريع لأسوأ ما في تاريخ نظريات الحكم ومفاهيم السلطة، فهو لا يعرف مِن توماس هوبز إلا حتمية السلطة المركزية المهيمنة لدرء الاحتراب الشامل وبطش الكل بالكل، ولا يعرف من ماكس ويبر إلا احتكار شرعية استخدام العنف، ولا يتذكر من الماوردي سوى أن الله فضّل الملوك على البشر تفضيل البشر على سائر البهائم، ولا يحضره من ابن خلدون إلا أن ‘المُلك على الحقيقة لمن يستعبد الرعية’. إن المسافة الفاصلة بين الاستقرار والتعفن في القاموس الأصفر العربي تكاد تكون معدومة، وهي عبارات مقلوبة في واقع الأمر، فالأمن ليس أكثر من توعد مبطن للحرية، تماماً كما أن ‘الاستقرار’ هو قعقعة بالشنان لكل حراك مطالب بالتغيير. إن الأمن والاستقرار ليسا هدفاً لدول تحترم ذاتها الوطنية، ولا هما حتى وسيلة لأهدافٍ أسمى مرتبة. إن الأمن لا ينبغي أن يكون أكثر من عَرَضٍ طبيعي للحراك المدني والحضاري للدولة، وخلفية صامتة لسياق حركة المجتمع صوب تطوير نفسه وبناء هياكله. أشك إن كان من أمة في هذا العالم سوانا يتصدر فيها الموسيقيون لتدبيج الأهازيج والأغاني الحماسية احتفاء بأجهزة الأمن، بكل تفريعاتها السرطانية، من المخابرات إلى الأمن الوقائي إلى المباحث العامة إلى الدرك وصولاً إلى مكافحة الشغب. أذكر احتفالاً أجرته إحدى أقطارنا الباسلة لتمجيد قوى الأمن العاملة فيها، وعندما صعد ممثلو جهاز مكافحة الشغب إلى خشبة المسرح، ما كان من عريف الحفل سوى أن طلب من الجمهور تحية هذا الجهاز على ‘ملاحمه الوطنية’ لعقود طويلة وثقيلة، حيث الزمن يزحف ببلادة سلحفائية، كان حَمَلة الهراوات وسدنة أقبية التحقيق وكتبة التقارير يسطّرون ملاحمهم الوطنية على جباه الناس وخدودهم وظهورهم وأعمارهم وأحلامهم. لكن ها هو النظام الأمني العربي في حالة انكشاف مدوية، في الدور والمشروعية والفاعلية. لا أقول هذا تحت وهم من أي نوع حول انحسار قدرات هذه الأجهزة، فهي لم تخسر أياً من أدواتها، ولا تضعضعت هياكلها، ولا اعترى مخازنَ أسلحتها وأساطيل مركباتها أي نقص أو عطب. لكنها استيقظت، في 14 كانون الثاني ( يناير) 2011، في ليلة القدر السياسية تلك، لتكتشف أن عُملة البطش الأمني فقدت قيمتها الشرائية، وأن بورصة الهراوات والرصاص قد خسرت مليارات في أسابيع قليلة. اكتشف الناس فجأة أن المصرف الأمني المركزي لا يملك سبيكة ذهب واحدة، وأن عملته ليست أكثر من مستطيل ورقي منزوع القيمة. ما زال العنصر الأمني قادراً على ضرب الناس في الشارع، وما زال قادته المتمترسون في غرف التحقيق ومراكز القيادة قادرين على استحضار الناس وحجزهم، لكن قدرتهم على النفاذ إلى روع الإنسان قد انتهت. إنها لحظة انكشاف نادرة يتبين فيه على وجه اليقين أن الأنظمة القمعية لم تكن تحكم باستبدادها قدر ما كانت تحكم بخوف الناس. أمام هذا الانكشاف في الشرعية الأمنية، لا بد لانتهازية حميدة من أن تُستحضر، ولا يمكن لعاقل أن يفوّت الفرصة في الانقضاض على هذه الميليشيا المسلحة. وهو انقضاض لا يتم باستهدافها فيزيائياً، وإنما بضربها في مقتلها المؤكد: ببناء مجتمع مدني تكون فيه كرامة الإنسان علّة وجود الدولة. مجتمعٍ تُعاد فيه القوى الأمنية لبيت الطاعة الديمقراطي، وينتفي الفارق بين العاملين فيها وبين العاملين في أي قطاعٍ خدميّ عام. إن تحقيق هذا الأمر في الدول العربية التي لم تصلها الشمس بعد، ولم يدوّ في فضائها حتى الساعة ذلك النداء الملائكي المهيب، ‘الشعب.. يريد.. إسقاط النظام’، يتم بالاقتناص الفوري لكل الحقوق المنهوبة، بالاندفاع الفوري لإنشاء النقابات الممنوعة سابقاً، بدهس الخطوط الحمراء في الصحافة، بانتزاع ضمانات الانتخابات النزيهة، بإمطار المسؤولين والأمنيين على حد سواء بقضايا ودعاوى قانونية، بإنشاء الجمعيات والمنتديات والهيئات المدنية، وبعصف جماعي بكل أركان النظام الأمني. إن العنصر الزمني في هذا الانقضاض بالغ الأهمية، لأن الانكشاف الأمني هو انكشاف في مستويات مجردة، تتعلق بالشرعية والمكانة في الوعي العام. ولذلك، لا يمكن الركون لاستمرار هذه الحالة إن لم تواكب فورياً بعدوانية شعبية تترجِم هذا الانكشاف المجرد إلى اندحار على الأرض، وتقطع الطريق أمام إعادة تصفيح المدرعة الأمنية، شرعياً وذهنياً. إن كل حديث عن التدرج في الإصلاح هو في واقع الأمر خارطة طريق للالتفاف على الإصلاح، ولا يمكن للمرء سوى أن ينحني أمام العبقرية التي واجهت بها الجماهير المصرية خديعة التدرج، عندما ردّتها بتدرج مضاد، أسرع وقعاً وأشد عدوانية في رفع سقف المطالب. أمام هذا النظام الأمني ‘الملخوم’، والمتلعثم بين عبثية البطش الدموي وكارثية الاستسلام للمطالب المدنية، حان وقت الانعتاق من نكبة الأمن وفجيعة الاستقرار. سامحكِ الله يا أمي. ليس من وحش تحت السرير.
كاتب عربي