سامي مهدي’إلى الصديق البعيد القريب الشاعر عبد اللطيف إطيمش ، على هامش ديوانه الجديد’ كان ذلك عام 1957 . كنت ما أزال طالباً في ثانوية الكرخ للبنين ، وكان لي في الصف زملاء يحبون الشعر والأدب ، ومنهم من يكتب الشعر أو القصة ، ومن هؤلاء : القاص الراحل موفق خضر ، والشاعر الشهيد مثنى حمدان ، والقاص وأستاذ الفلسفة اليوم الدكتور عبد الأمير الأعسم . وقد كانت علاقتي بموفق خضر أوثق من علاقتي بالآخرين . كنا طوال عامين دراسيين نجلس على رحلة ( مصطبة ) واحدة تتوسط الصف ، نتحاور ونتبادل الأفكار والكتب والمجلات ، ويعرض كل منا ما يكتبه على صاحبه ، ونتراسل خلال العطلة الصيفية رغم أن المسافة بين بيتينا لم تكن تزيد عن ثلاثة كيلومترات . لم تكن لي يومها أية صلة بالوسط الأدبي ، ولم أكن أعرف أن الأدباء يلتقون في مقاه معينة حتى أخبرني موفق ، وصار ينقل إلي ما يعرفه عن لقاءات الأدباء وما يدور فيها ، ومنها لقاء أسبوعي كان يواظب على حضوره في مقهى يقع في ساحة الوثبة على طرف من شارع الرشيد في بغداد ، ثم تحول إلى مقهى آخر يطل على نهر دجلة في الجانب المقابل من الشارع ، وانتهى إلى مقهى من مقاهي شارع أبي نؤاس . وكان يحضر هذا اللقاء مجموعة من الأدباء ، فيهم الشاعر والقاص والأديب ، أذكر منهم القصاصين : موفق خضر ، وخضير عبد الأمير ، وغازي العبادي ، والشعراء : صلاح نيازي ، وسلمان الجبوري ، وعبد اللطيف إطيمش ، وجواد البدري ، والأديبين : حامد طالب ، وأسعد محمد جعفر . وقد كان كل هؤلاء من الناشئين ، عدا الشاعر صلاح نيازي الذي سبق الجميع ، ونال اعتراف الوسط الأدبي قبل الجميع بما كان له من شعر متميز له فيه اجتهاداته الخاصة . وهم كلهم كانوا يكبرونني في السن ، بعامين أو ثلاثة أو أكثر . وكنت جديداً عليهم ، وعلى الوسط الأدبي ، حين استدرجني موفق إلى حضور لقاءاتهم وقدمني إليهم . فكانوا رائعين حقاً وكنت سعيداً بالتعرف عليهم . ومع أن آراءنا السياسية كانت في العمق مختلفة ، كنا متآلفين ، وكان الهمّ الوطني العام يجمعنا ويوطد تآلفنا ، فلم نتفرق إلا بعد ثورة 14 تموز عام 1958 . غير أن الشعراء منا كانوا قد اتفقوا ، قبل هذا التفرق ، على إصدار مجموعة شعرية مشتركة ، شارك فيها كل منهم ، عدا صلاح نيازي ، بقصيدة أو أكثر ، أما أنا فشاركت بثلاث قصائد قصار شوّه مقص رقيب الثورة اثنتين منهما ، فزهّدني في هذه المشاركة ونفّرني منها حتى تمنيت لو أنها لم تحدث ، وصدرت هذه المجموعة بطبعة متواضعة بعد افتراقنا ، وكانت بعنوان ‘كلمات طيبة ‘. ذكّرني بهذا كله مظروف وصلني بالبريد من لندن وفيه نسخة من ديوان الشاعر عبد اللطيف إطيمش الجديد ‘توابيت عائمة ‘وعلى غلافها الداخلي إهداء من الشاعر يذكرني بذلك الماضي البعيد ويبعث في نفسي الحنين إليه . ربما لم تكن علاقتي بعبد اللطيف وثيقة كعلاقتي بالآخرين . فهو لم يكن مواظباً على حضور تلك اللقاءات . وكان إذا حضر فحضوره خاطف عابر ، ولعله كان منهمكاً في دراسته في دار المعلمين العالية ، فلم نكن نراه إلا لماماً . ولا أذكر الآن أنني لقيته بعد أن تفرقت سبلنا في أواخر عام 1958 . ثم أنه تغرّب في وقت مبكر ، ولذا لم أحفظ عنه من الذكريات إلا ما هو غامض مبهم ، ولم أعد أذكر منه سوى دماثة خلقه وميله إلى الصمت ووجهه الناحل الحزين . ربما كان هذا بسبب بعد الزمن وشحوب الذاكرة ، ولكنني حظيت في ما بعد بصداقة شقيقه الشاعر والناقد الراحل الدكتور محسن إطيمش ، فكنت أسأله عنه من وقت إلى آخر فيوجز لي القليل القليل من أخباره . عبد اللطيف إطيمش شاعر من ‘الناصرية ‘المدينة العراقية الجنوبية . والناصرية مدينة أدب وفن على فقرها وبساطتها . فقد كانت الحياة فيها ، وربما ما زالت ، أقرب إلى حياة الريف منها إلى حياة المدينة . ولكنها أنجبت الكثير من أدباء العراق وفنانيه : شعراء وقصاصين ومغنين ورسامين ، واستقطبت الكثير من أدباء وفناني البلدات والقرى القريبة منها وظللت عليهم بجناحيها . وهي كالبصرة لا تكاد تفارق مخيلة أبنائها الأدباء والفنانين ، ومهما ابتعدوا عنها ظلوا مشدودين إليها بكل رابط من روابط الحنين . وعبد اللطيف ، كما هو واضح ، شاعر مقل ، فلم يصدر له ، قبل ديوانه الجديد : توابيت عائمة ، سوى ديوانين هما : مدن وقصائد ، وجمرة على حافة القلب ، وديوانه الجديد لا يضم أكثر من عشرين قصيدة كتبها خلال عشرين عاماً ( 1988 2008 ) وهذا قليل بالنسبة لشاعر بدأ الكتابة منذ أكثر من خمسة عقود . ويبدو أن حياة الغربة القاسية هي السبب في قلة إنتاجه الشعري . ولقد قرأت ديوانه الجديد بلهفة وشغف ، ولكنني ، حين أردت الكتابة عنه ، وجدت أن الدراسة التي كتبها الدكتور خلدون الشمعة عنه ، وضمتها الصفحات الأخيرة منه ، لم تبق زيادة لمستزيد ، كما يقال . ومع ذلك لاحظت أن الحنين هو أبرز ظاهرة في هذا الديوان ، بما في ذلك تذكر شاعره إياي ، وإرساله إلي نسخة منه ، وتصدير هذه النسخة بمثل الإهداء الذي جاءتني فيه . فهذا كله ضرب من الحنين . وعدا ذلك ثمة في قصائد الديوان فيض ملتاع جارف من هذا الحنين يعود بالشاعر إلى أيام طفولته وصباه وشبابه المبكر في الناصرية بعد أن طوحت به المنافي في أرض الله الواسعة ، فيتذكر طبيعتها الريفية ، وتفاصيل الحياة فيها ، يتذكر أهلها وعشاقها وأسمارهم ومغنيها وأغانيهم ( قصيدة : مدينة في الذاكرة ) ، يتذكر مدرسة طفولته وزملاءه الذين لم يعد يدري في أي السبل تفرقوا ( قصيدة : رفاق المدرسة ) ، ويتذكر في من يتذكر أحد عشاقها ومغنيها ( قصيدة : جودي ) وسجيناً شاركه السجن ذات محنة ، وصمد في وجه الجلادين فلم يعترف رغم ما ناله من تعذيب ( قصيدة : سجن الهنود ) . وهذا الضرب من الحنين يحمل قارئاً مثلي على الانجراف معه . فالشجى يبعث الشجى كما قال شاعرنا القديم ، ومن لم يغترب مثل الشاعر عن أرض وطنه ، فقد اغترب به الزمن مثلي عن أيام طفولته وصباه وشبابه . وما من شك في أن حياة الغربة ، وما تفرضه من عزلة ومن وحدة أحياناً ، هي ما يؤجج هذا النوع من الحنين . إذ لا يعود للشاعر ما يعزيه في غربته وعزلته سوى ذكريات تتحول فيها الوجوه والأشياء إلى إيقونات ترافقه في حله وترحاله وتذكره بماضيه في وطنه . فلا أهل له سوى أهله هناك ، ولا أصدقاء سوى أصدقاء ماضيه البعيد . أما المدن الغريبة فهي مدن من حديد وصخر ، كما يقول ، وهي تبقى غريبة مهما طال المقام فيها ، وقلوب أهليها قلوب حجرية لا تحنو على غريب ( قصيدة : طائر في عربات الغجر ) . وينتمي شعر هذا الديوان إلى الشعر العراقي الحديث في أبرزه خصائصه وتقاليده الفنية . ومع أنه لا يقدم أية اقتراحات فنية جديدة ، ولا يدعي أية ادعاءات حداثية أو ما بعد حداثية ، فإنه شعر حديث ، يتسم بالبساطة والوضوح ، وبغنائية عذبة شفيفة ، وهذا مما يقرّبه إلى نفس القاريء ويحمله على التفاعل معه والتحليق في سماواته الصافية . وقد تكون هذه ميزة صرنا نفتقدها في الكثير من شعر اليوم ، بعد أن تغيرت المفاهيم ، وتعددت مقترحات الكتابة الشعرية ، وتنوعت الكتابات ، حتى اختلط الشعر بغيره . وتحية لصديقي العزيز البعيد عبد اللطيف .