ثبت باليقين غير القابل للدحض، أن الدولة لم تقم بعد في عالمنا العربي، وكل ماعايشناه وما نعايشه هو فقط أنظمة تلتحف الدولة رداء يخفي عورتها وانكشافها، الفراغ الذي تتركه الانظمة العربية بعد سقوطها واحدة تلو الاخرى ومواجهة بعضها لخيارات الشعوب دليل قاطع على أننا في مرحلة ما قبل الدولة، المرحلة التي مرت على أوروبا بعد حربها على الاقطاع والطائفية الدينية، أي ما قبل صلح وتسفاليا ونشوء الدولة القومية. عندما يصبح الفراغ هو البديل للنظام أو الحرب الاهلية، يصبح واضحا غياب وجود الدولة. الدولة كيان معنوي دستوري يقوم على مؤسسات لا أفراد، فمن يعطيني مثالا واحدا له في عالمنا العربي، في بعض البلدان الكبيرة كمصر وباكستان وحتى تركيا الى وقت قريب، إلا أنها وبفضل الوعي لدى الشعب التركي، كانت الدولة هي المؤسسة العسكرية أو الجيش، بالتالي تنتج المؤسسة العسكرية دولتها القائمة على حفظ الأمن على حساب المواطنة والحقوق، فهي احد أشكال الدولة القمعية الناقصة، كدولة الطوائف أو القبيلة، وجوازا تسمى دولا، وسقوطها يعيد المجتمع الى المربع الأول. الآن تتسابق الاثنيات والدين السياسي والطوائف لصياغة الدولة القادمة في شرقنا المتأخر حضاريا، ويستعين كل منها بوسائل التكنولوجيا والاتصال والقنوات الفضائية في بث خطابات أقل ما يقال عنها انها متخلفة ولا تتسق وروح العصر. بالطبع لا تتشكل الدولة خارج مكوناتها الموجودة، ويظهر أن هذه المكونات من القوة بحيث تصيغ دولتها حسب مفهوم الغلبة وتأخيرا لاستحقاقات قيام الدولة الفعلية، أكثر من تأثرها بفكر الدولة السياسي وشروط تحققه. إعادة بناء الدولة فعليا اليوم قد يتطلب إعادة النظر في توافقاتها التي سيطر عليها النظام عنوة، وفرضها كدولة دون مرورها بالعملية التاريخية اللازمة للتوافق ذاته، كما رأينا ذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق. خاصة أن الغرب يريد أن تبقى مصالحه دون مساس، فالدولة القادمة في وطننا العربي اليوم، دولة ليست فقط استجابة لمكوناتها كما كان الامر في السابق، ولكن من الضرورة أن تتوافق مع النظام العالمي الجديد، لأنها ولادة متأخرة، وليست في وقتها، فعليها بالتالي التكيف مع الخارج بقدر قدرتها على التكيف مع مكوناتها. تقسيم السودان، كان نهاية للسودان كنظام، والتقسيم كان استجابة لولادة قيصرية متأخرة فرضتها المصلحة الملحة للنظام العالمي، أعتقد أن ليبيا كذلك مشروع قادم لولادة دولتين وليس دولة واحدة بعد نهاية نظام القذافي لنفس الشروط، بل وخوفي على القادمين الجدد من الانظمة المسماة دولا، ولم تختمر الدولة ولم تنضج بعد بين مكوناتها، ولا يمسكها سوى قوة البطش البوليسي وآلة الجيش والعسكر. استحقاقات إقامة الدول قائمة لا تسقط بالتقادم. علينا العمل على إرساء ما يمكن إرساؤه من مقومات الدولة الحقيقية، بحيث يكون النظام فيها ثمرة لوجودها، وليست هي تمظهرا لوجوده وسيطرته، لأنه فان وهي باقية. عبدالعزيز بن محمد الخاطر