خالد شوكات
من قناعاتي الراسخة أن الايديولوجيا هي أكثر من يسيء إلى الفكرة، وعلى هذا النحو فقد كان الشيوعيون الأكثر إيذاء للفكرة الاشتراكية، والإسلاميون الأكثر خطرا على الدين، والقوميون العرب الأكثر تخريبا لمشروع الوحدة العربية والأكثر إضرارا بالعلاقات العربية العربية. وقد كان صدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي أبرز عوامل التشرذم والانقسام والصراعات والحروب والفتن في العالم العربي المعاصر.
الثورات العربية المتلاحقة منذ فجر 2011، تبدو بمثابة مراهم تداوي جروح الدولة القطرية العربية، وتفند مزاعم الرؤساء المتشبثين بالحكم الاستبدادي الواحد تلو الآخر، فتونس لم تسقط بعد رحيل بن علي في يد الأصوليين، ومصر لم تتدحرج نحو الحرب الطائفية، واليمن لن يشهد اقتتالا قبليا أو انقساما جديدا، وليبيا لن تصبح دولتين.
المستبدون العرب لوحوا للعالم بكل بطاقات الخطر، الإرهاب والأصولية والقبلية والانقسام والطائفية والفتن الداخلية والنفط، لكن التلويح لم يجد نفعا، ولم تنطل الأكاذيب والحيل على أحد، وثمة إحساس عميق بأن الأجيال الشابة التي كانت وقود الثورات، مدركة لألاعيب حكامها الممكنة، فعملت قصارى جهدها على تفتيت وتفكيك مفاعيلها، وأثبتت من خلال شعاراتها وممارساتها خلافها.
الحكام قالوا ‘أصولية ومتطرفة وعنيفة’ فرد عليهم الشباب بل نريدها ‘ديمقراطية مدنية سلمية’، والحكام قالوا ‘طائفية وقبلية وحروب داخلية’، فكان رد الشباب بل ‘وحدة وطنية ومواطنة حضارية’، والحمد لله ان كانت الثورة نتاج أجيال شابة لم تتجاوز الثلاثين في غالبيتها، فقد طغى الانقسام الحاد على الأجيال الأكبر سنا، وكان جيلي على سبيل المثال غاية في الانقسام، حيث كنا تيارات أربعة ‘إسلاميين وشيوعيين وقوميين عربا وليبراليين’، ولم يكن بمقدورنا أن نقود ثورة مجتمعين أبدا. العالم العربي لن يكون بعد أشهر قليلة ‘الاستثناء’ الدولي، والديمقراطية التي ستنتشر في كل جمهورية ومملكة وإمارة، بفعل التغيير الثوري أو المبادرة الإصلاحية، ستمهد الطريق في رأيي لاستكمال الحلم العربي في العدالة الاجتماعية والوحدة وتحرير فلسطين، وبخلاف ما هو متوقع، وفي حين فشلت الأنظمة العربية التي رفعت شعار القومية العربية في ربح معارك الأمة الكبرى، فإن هذه الأنظمة الديمقراطية الجديدة التي هي بصدد التشكل حاليا، ستقود في النهاية إلى انتصارات عظيمة في الساحات المذكورة.
لقد أفضت تجارب الحكام العرب المستبدين باسم الايديولوجية القومية العربية إلى نكسات مخجلة، ففي معركة الوحدة ظهرت جراء دولة الفرد الواحد الأحد صراعات وحروب طاحنة بين الاشقاء، وفي معركة العدالة الاجتماعية تحولت البلدان جراء دولة الفرد الواحد الأحد إلى مجالات للفساد والرشوة وهدر مقدرات الشعوب وتمكين عائلات السلاطين من الموارد العامة، وفي معركة تحرير فلسطين استأسدت اسرائيل جراء دولة الفرد الواحد الأحد فكانت تأمر هذا وتنهى ذاك، وما من رافض لأوامرها ونواهيها طلبا لودها واسترضاء لحماتها الغربيين. وعندما ستترسخ الديمقراطية في العالم العربي قريبا، ستصبح الدول للشعوب لا لأشخاص بعينهم، وسيكون مشروع الاتحاد بين دول المنطقة ضرورة لتحقيق مصالح المواطنين ونتاجا لغياب التناقض بين القيادات وتحكم الأمزجة المتقلبة في الموازين، وسيتخذ المسار طريق العقلانية والهدوء فيستبدل الشعارات الفضفاضة بالأعمال الجادة، ولن تكون عملية متسرعة وعدائية للخارج أو مستفزة، كما لن يكون بمقدور إسرائيل فرض إملاءاتها أو استعراض عضلاتها وستجبر في النهاية على منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وطلب السلام العادل بجدية. ويملك العالم العربي كل مقومات الوحدة والنماء، فإذا ما أخذ في مجمله بنواصي العصر من ديمقراطية ومدنية وسلمية، كما تحيل إلى ذلك تطلعات ثوراته الشعبية الملهمة، فإنه سيتقدم بخطى ثابتة نحو التكامل والتعاون والفاعلية اقليميا ودوليا، وسيجد نفسه على مواعيد متلاحقة مع التاريخ في جميع المجالات، وسيقترب شيئا فشيئا من الإجابة على الأسئلة التي طرحها رواد النهضة العربية الإسلامية منذ بدايات القرن التاسع عشر.
خلاصة القول ان ما عجز عن تحقيقه القوميون العرب جراء تبنيهم أنظمة الحكم الفردية الفاسدة، ستحققه عبر الديمقراطية هذه ‘الكتلة التاريخية الشبابية’، التي قادت الثورات العربية، والتي تشكلت من مزيج ايديولوجي فريد خلط بكل سحر وإلهام بين عناصر فكر الأمة المختلفة، الإسلام والعروبة والحرية والديمقراطية والمواطنة والعدالة الاجتماعية، وأعظم ما في الأمر ألا أحد غير ‘الأمة جمعاء’ بمقدوره الزعم بأنه صاحب هذا المشروع أو القائد لهذه المسيرة. ‘ كاتب تونسي