الدم مقابل النفط.. جبهة الجنون

حجم الخط
0

بن درور يميني

تروي الحكاية الشعبية أن الولايات المتحدة دخلت حرب الخليج الاولى، والثانية في الأساس، للتحكم بمصادر النفط في العالم. أُحرقت دمية جورج بوش في جميع أنحاء العالم. وهذا ما سيجري على الشخص الذي رغب الاسلاميون والعولميون في التنديد به.

لكن بوش هو بوش، وباراك اوباما أمر مختلف. إن جولة ظهوره في عواصم دول مسلمة، ولا سيما خطاب القاهرة، جعلته عزيزا على قوى التقدم من الاسلاميين حتى العولميين. قد لا يكون عزيزا بالضبط لكنه يسير في ذلك الاتجاه. لقد جعل الولايات المتحدة مكروهة بقدر أقل. بيد أنه تبين هذا الاسبوع ان الحصانة لا تُعطى الى الأبد.

إن القوى التي عملت في مجابهة بوش ثارت مرة اخرى. أصبحت دمية اوباما تُحمل في مظاهرات غاضبة في أنحاء العالم ويُحرقونها. ودعاواهم على اوباما كتلك الدعاوى نفسها التي وجهت الى بوش: وهي أن قصف ليبيا كان للحفاظ أو للسيطرة على مصادر النفط.

الامر أن الحكايات المدنية هي أساطير فقط. انها تقوم على افتراءات. إن التقديرات الأولية المتعلقة بكلفة الحرب في العراق وقفت على نحو 50 مليار دولار. كان هذا من أحلام اليقظة. في 2008 وقفت النفقات على أكثر من 600 مليار، وقدّر الفائز بجائزة نوبل خبير الاقتصاد جوزيف شتيغليتس أن الحرب ستكلف الولايات المتحدة 4 تريليونات دولار. قد يكون تقديره مبالغا فيه. لكن على كل حال ليس ثمة احتمال لتغطية النفقات بالفعل بأرباح النفط حتى لو استُعبدت هذه الأرباح للخزانة الامريكية سنين كثيرة. في 2009 مثلا وقفت ايرادات نفط العراق على 41 مليار دولار. أي انه حتى لو كان الايراد أعلى وحتى لو نُقل كله الى الولايات المتحدة فلن يغطي نفقات الحرب. إن أرباح النفط تبقى في العراق في واقع الامر وهي تعاني زيادة في الميزانية. ولا يعوق هذا جماهير ‘العولميين الجهاديين’ عن معاودة اللازمة الثابتة القائلة: كل شيء من اجل النفط.

تتكرر هذه اللازمة الآن ايضا مع ليبيا. صحيح ان القذافي بدأ يذبح أبناء شعبه، وصحيح ان الجامعة العربية، بخطوة تثير الاهتمام، طلبت التدخل، وصحيح انه كان ثمة قرار من الامم المتحدة لكن كل هذا لا يؤثر في ‘العولميين الجهاديين’. إن الحماية التي يمنحها الغرب لمواطني ليبيا أصبحت هي ايضا مؤامرة اخرى من الطامعين في النفط على اختلافهم. وهكذا فانه لا في العالم الاسلامي وحده بل في اسبانيا ايضا التي يوجد فيها غير قليل من كتائب ‘قوى التقدم’، عادت الى الشوارع شعارات على هيئة ‘لا مزيد من الدم من اجل النفط’. وسيكون ذلك قريبا في أنحاء اوروبا والولايات المتحدة.

قاعدتهم الاخلاقية هي انه اذا ذبح زعيم عربي عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من مواطنيه فذلك مشروع. ذلك شأنه. ولا يجوز التدخل. إن هؤلاء حمقى مبتذلون من الغرب أيدوا صدام حسين من أعماق قلوبهم. حتى لو أن بوش إذ كان رئيسا، كان اجتهد بما أوتي من قوة لما بلغ عدد القتلى العراقيين في فترة حكم صدام. وحتى لو اجتهد اوباما وزاد القصف على ليبيا عشرات الأضعاف، فانه لن يُدغدغ امكانية ما عند القذافي من قتل لو تركوه فقط ينتقم من المتمردين كما شاء.

ليس القذافي وحده. يجتمع أنصاره ويمضون، وهم ينتمون الى نفس القسم النفسي السياسي. مثل روبرت موغابي من زمبابوي أو هوغو تشافيز في فنزويلا. نجح الاول في جعل دولته واحدة من الفاشلات في العالم، والثاني في الطريق الى هناك. وكما كان لصدام حسين من يدافعون عنه فقد عادوا للظهور هذه المرة ايضا. سيصبح اوباما استعماريا وخنزيرا رأسماليا ويصبح القذافي زعيما أصيلا.

هل توجد تعزية في هذا الجنون؟ لا في الحقيقة. لكن ربما، ومن ذا يعلم يمكن ان نتأمل من زاوية اخرى الحملات الدعائية المجنونة على اسرائيل. فالحديث عن الجبهات نفسها. تشافيز هو بطل العولميين الجهاديين، ويستيقظ هؤلاء الآن للتظاهر على اوباما وحرق دميته. بيد أنه يوجد تغيير هذه المرة. إن الذين يحرقون دمية اوباما هذه المرة يصبحون أعداء الانتفاضة العربية على الحكام الطغاة.

الأحلاف القديمة تنتقض. والمسلمون عن جانبي المتراس. لا يعني هذا وجود عزاء كبير هنا. لكن ربما، ومن ذا يعلم، يوجد هنا عزاء صغير. لم تعد اسرائيل وحدها هي التي تعاني من جبهة الجنون. قد يصبح العرب أنفسهم ضحاياها.

معاريف 29/3/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية