من منّا لم يقرأ ولو جزءا يسيرا من حكايات كليلة ودمنة لعبد الله المقفّع. الكلّ سمع بتلك الحيوانات التي نطقت بالحكمة تلقّنها لبني البشر عبر قصص مشوّقة أصبحت مضربا للأمثال وتراثا إنسانيّا بفضل الترجمة التي حوّلته إلى أغلب اللّغات.
من ذلك الكتاب العظيم، تذكّرت حكاية الأسد الذي خاف من صوت الثور وعجبت للتشابه الغريب بين أسد ابن المقفّع وأسد سوريّة فالأوّل يخاف من صوت الثور والثاني يخاف من صوت الثورة.
يقول ابن المقفّع متحدّثا عن الأسد: ‘وكان هذا الأسد منفرداً برأيه دون أخذٍ برأي أحدٍ من أصحابه. فلما سمع خوار الثور، ولم يكن رأى ثورا قطّ، ولا سمع خواره؛ لأنّه كان مقيماً مكانه لا يبرح ولا ينشط؛ بل يؤتى برزقه كل يومٍ على يد جنده…’أسد سوريّة أيضا لم يبرح مكانه فلا نشاط في سبيل الإصلاح ولا سعى لتطوير الحياة السياسيّة نحو الحريّة والتعدّديّة بل هو الانفراد بالرأي والانصراف عن النصح. وقد جاءه النصح منذ بداية الثورات العربيّة التي دوّت بأصواتها حتّى بلغت مشارق الأرض ومغاربها. جاءه من السيّد عبد الباري عطوان في المقالة تلو المقالة وهو يذكّر بوعوده للإصلاح ووعوده لمقاومة الفساد معاقبة الفاسدين غير أنّ الوعود كانت مجرّد كلمات الأمر الذي ضاعف من حالة الاحتقان في كلّ أنحاء سوريّة. ويضيف الناصح منبّها في نهاية إحدى مقالاته: ‘سورية تنتظر الشرارة، أو محمد بوعزيزي آخر، ومازالت هناك فرصة للحيلولة دون الانفجار الكبير.. فهل يسمع ويقرأ الرئيس الأسد؟’. والجواب أنّ الأسد على ما يبدو لم يقرأ مقالاتك يا أستاذ عبد الباري ولم يقرأ شيئا من حكايات كليلة ودمنة، فها نحن نرى كيف وصلت أمواج الثورة إلى عقر داره فواجهها بنفس الحلول القمعيّة التي مورست في تونس ومصر. إنّه لا يرى الصورة كاملة إذ يتجاهل الانتصار الذي حقّقه الشباب رغم قتلهم وسجنهم الغريب في الأمر أنّ أسد حكايتنا الحكيمة قتل الثور شتربة ولكنّه ندم بشدّة فقال عنه: ‘لقد فجعني شتربة بنفسه؛ وقد كان ذا عقلٍ ورأيٍ وخلقٍ كريمٍ، ولا أدري لعله كان بريئاً أو مكذوباً عليه’؛ فحزن وندم على ما كان منه.
نهاية تعبّر عن الحزن الشديد والندم الذي أصاب أسد الحكاية الخياليّة وقد يصيب أسد الرواية السوريّة إذا تمادى في قتل الثوّار والتضييق عليهم. و لعلّ أفضل النصح ما قاله كليلة مخاطبا أخاه دمنة: ‘إنّ العاقل يدبّر الأشياء ويقيسها قبل مباشرتها.’ وهنا أقول متسائلا: ‘فهل يسمع ويقرأ الرئيس الأسد؟’ وهل يعقل؟ عبد الرزاق قيراط ـ تونس.