معرض للفنان المصري محي الدين حسين: سياقات الاستلهام وأشكال التوظيف في معرض محيي الدين حسين

حجم الخط
0

دعاء قنديليعتبر الخزف من أرقى الفنون التطبيقية في حياة الإنسان، وهو من الحرف العريقة في تراثنا الأصيل، فالخزف هو الطين المزجج والمفخور ويرجع تاريخه إلى أقدم العصور، وقدمه مرتبط بقدم الإنسان نفسه. فهو من أقدم الحرف والفنون في تاريخ البشرية ومن المؤكد انه كان وليد صدفة بحتة مقترنة بحاجة آدمية اتاحت وجوده، ولطالما حمل الخزف في مسامه الكثير من هموم الإنسان وتطلعاته، وهواجسه ومعتقداته، فالطين كائن متواضع يتحمل خطواتنا وأخطاءنا، وهو مادة متوفرة مثيرة لأحاسيس الفنان ومتفاهمة معها كما انها مادة مرنة في نقل الأفكار عبر أسس التقنيات المتوارثة، ومادة قادرة على احتواء طعامنا وشرابنا. وبالتالي فإن ما يميِّز الخزف عن سواه من الفنون أنه أكثر التصاقاً بصانعه، وهو مزيج من المعرفة وكشف المجهول في أعماق مبدعه، لأنه نتاج تجربة وإلهام وبحث فني وعلمي يتجسَّد في إناء، أو لوحةً تتصدَّر جداراً، لا فرق بينهما ما داما يحملان المعرفة. كان فن الخزف العربي، والإسلامي على وجه الخصوص، مزدهرا بشكل كبير في أوروبا في القرون الوسطى لما حمله من سمات الفن الإسلامي وعناصره وألوانه إضافة الى اكتشاف جديد يسمى ‘الخزف ذا البريق المعدني’ الذي وفر على أوروبا استخدام الذهب والفضة في تلوين الأواني الخزفية، وأعطى حرية واسعة للفنان في تعدد الدرجات اللونية. ولقد احتل الخزف في الوقت الحاضر مكانة كبيرة لكونه أحد أهم الفنون التشكيلية، والجدير بالذكر أن هذا الفن ارتبط ارتباطاً وثيقاً باسم الخزاف الكبيرسعيد الصدر في مصر منذ سنة 1931 والذي لقب بشيخ الخزافين حيث انه كان صاحب الفضل في إيقاظ فن الخزف المصري من سبات يرجع إلى عدة قرون وعمل على نشر فن الخزف في مصر والوطن العربي، حيث قام بتأسيس مركز الخزف في الفسطاط 1962 وقد ترك ساحر الأواني سعيد الصدر بصمة لن تمحى سيظل ينهل منها كل الباحثين في هذا المجال ولن تنضب. إن رحلة العمل الخزفي بين الفكرة والحقيقة أو التجسيد رحلة طويلة شاقة ومحفوفة بالأخطار، ولا يجعلها قصيرة تُطاق سوى خزاف متمرِّس يعرف ما يريد، فيصل إليه عبر أدوات حرفته. ونجد من الصعب دراسة المشهد الخزفي العام خارج دراسة التجارب الفردية، التي رسمنا سياقها عبر التحولات الاجتماعية ومجمل المتغيرات الثقافية والاجتماعية، فيشغلني الان إلقاء الضوء على تجربة الفنان المبدع محيي الدين حسين أحد رواد فن الخزف الحديث. ان الدخول في عالم هذا الفنان الكبير معناه الولوج الى ساحة الإبداع والرقي في فن من أهم روافد الفنون التشكيلية وأقدمها على مر التاريخ وهو فن الخزف الذي عرف بعراقته وجذوره الضاربة في أعماق التاريخ البشري منذ الخليقة، فالفنان الكبير محيي الدين حسين حقق ريادة في الفن المصري المعاصر كخزاف ونحات قدير وصاحب تجربة واسعة وعميقة في البحث الفني في الفورم واللون وفي ترويض تقنيات الخزف التراثية والعصرية لخدمة أغراضه التعبيرية، فبنى اسلوبه المتميز ونجح في أن يجعل الخزف مضماراً محورياً في بنية الحركة الفنية التشكيلية بعد أن ظل سنوات عديدة رهن الحرفة والدراسة الأكاديمية بعيداً عن حراك الحركة التشكيلية. تتعانق شتى صور الإبداع لتجسد حياة الخزاف محيي الدين حسين فيتضافر الرسم مع النحت فيولد التشكيل الخزفي وتجري أنامله الحساسة على آلة العود والهارب والكمان لتعزف أنغاما تراقص عليها أوانيه. كما أن أقدامه حين تلامس عجلته الدوارة وتدفعها لأسفل تصدر أنغاما تفوق تلك الآلات الموسيقية التي أحبها وأتقن العزف عليها كما ان يديه تحتضنان آنياته التي ترقص عليهما في توافق مثير. استطاع الفنان محيي الدين حسين أن يدير حوارا أزلياً بين الأرض والنار بكل براعة وبحميمية بالغة حملت كل بعدهما الروحي، واحتفاء به قامت مكتبة الإسكندرية بتخصيص معرض دائم له تقديرا لمشواره الإبداعي والتنويري المتميز من خلال مئة قطعة نادرة من أعماله من فنون الآنية والجدارية واللوحة والتمثال بخامات الخزف وتقنياته التي تشكل الحريق الزلطي والبريق المعدني في تجليات حداثية رائعة. وهذا المعرض أقيم اعتزازاً بما حققه الفنان الكبير محيي الدين حسين من ريادة في الفن المصري المعاصر كخزاف ونحات قدير وصاحب تجربة واسعة وعميقة في البحث الفني في الفورم واللون وفي ترويض تقنيات الخزف التراثية والعصرية لخدمة أغراضه التعبيرية فبنى أسلوبه المتميز ونجح في ان يجعل الخزف مضماراً محورياً في بنية الحركة الفنية التشكيلية. إن لهذا الخزاف الكبير المتفرد فكراً فلسفياً يتعامل به مع مادة الطين والاكاسيد، ونجد أن انعكاسات الطبيعة على أفكاره واعتماده على خامات وفرتها البيئة من غضار واكاسيد ونار كانت عاملا ً مساعداً في الإفصاح عما يدور في ذهن هذا الفنان، فهو يتعامل مع الطينات والأكاسيد الملونة والخلطات الكيميائية والطلاءات الزجاجية (الجليزات) وتقنيات الحريق المعقدة بحميمية وود شديدين وبذل في سبيل ذلك جهداً ومالاً وطاقة بلا كلل او تغيير وقد شهدت أعماله استعارات فنية أعطت خطابا تشكيليا مغايراً أثار الفكر الفني المعاصر بتجددها وبكارتها، والموضوع ليس مجرد تفرد بقدر ما هو وظيفة بنائية جمالية متفاعلة ارتضاها لمسيرته عبر أعوام طويلة من البحث والتجريب لعبت دورا فاعلا في تكوين الشكل الخزفي المعاصر. إن رحلة الخلق الخزفي مغامرة يخوضها الحرفي والفنان بنفس القوه لكن لا يحسم نتائجها إلا فنان قد تمكن من أدواته ولازم البحث في طبيعة الخامة وكيميائها وإمكانية تشكيلها كالفنان محيي الدين حسين، فالمغامرة التي يخوضها بعشق في كل حالة إبداعية يمر بها تأخذ منه تركيزا وجهداً وعناء يروح فيها بين الطين والتشكيل والتلوين والحريق ويغدو منها بعمل خزفي يتواشج فيه عبق الأسلاف مع معطيات الحداثة نفتخر به محليا وترفع له القبعات عالميا. وبالبحث في فن الخزف لا نجد أمامنا غير خيارات معروفة ومحسومة لا تنتظر سوى تحقيقها وبالخوض في غمار تجربة الخزاف الكبير محيي الدين حسين الأخيرة التي عرضت في أحد قاعات مركز الفنون في مكتبة الإسكندرية نجد سمات أسلوبه المميز تفرض سطوتها على الزائرين من محبي الفن ومتذوقيه، فقد قدم من خلال هذه السيمفونية مجموعة رائعة من الأعمال المعروضة حملت كل الأساليب التي مر بها الخزف وإنتاجه بطريقته الخاصة وبأسلوبه الحداثي المميز.

وبمجرد الدخول لهذا المعرض نشعر وكأننا نتجول داخل أحد المعابد الفرعونية العريقة وبين أعمدتها الشاهقة حيث قدم أعماله الخزفية بأحجام ضخمة وهي مكونة من خمس وعشرين قطعه خزفية ارتفاع كل واحدة لا يقل عن المترين من دون القاعدة التي ترتفع عن الأرض نصف متر آخر وقطرها 100سم أو اقل قليلا متراصة بنظام يوحي بالفخامة، فينتاب المشاهد للوهلة الأولى إحساس بالقداسة يتلوه الصمت لكن سرعان ما يتبدل هذا الإحساس تدريجيا ليدرك المشاهد انه يتجول عبر عالم من الإبداع فائق التنوع ورائع الوحدة والانسجام، فكل إناء يحمل سمات تشكيلية من حيث الطلاءات والحفر والرسم تختلف عن الأخرى لكن الفورم والحجم في كل الأواني اتفقا. فنجد مجموعة من هذه الخزفيات قد رسم عليها بأكاسيد اللون الأخضر والأسود والخطوط والأشكال وهي جزء أساسي من قيمة البناء المعماري للعمل الخزفي التي لا تفرغ من كونها طاقة روحية يصدرها الفنان من خلال آنياته، وهناك مجموعة أخرى نرى عليها بعض الرسوم المرتبطة بالبيئة الريفية من بيوت وأبراج ونخيل في تكوينات متراصة بكل توازن واستخدم في تلوينها اللون الأبيض والأسود للتشديد على الظل والضوء، كما ان هناك مجموعة أخرى قد تعامل مع سطحها بطريقة الحفر قبل الحريق الأولى حيث رسم عليها مجموعة وجوه (بروفيلات) تشبه في ملامحها وجوه الفيوم بنفس العيون الواسعة المكتحلة وقد حدد الرسم بعد ذلك بأكسيد اللون الأسود، كما صنع مجموعة أخرى رسمت عليها نفس الوجوه لكن من دون استخدام طريقة الحفر، كما استخدم الخزاف الكبير تقنية البريق المعدني في طلاء أجزاء من بعض الأواني في أشكال غاية في الجدة والابتكار ولم يغفل استخدام الجليزات وبعض الطلاءات المزججة في عملية التشكيل فأنتج مجموعة أخرى بتلك التقنية. يظهر هذا العرض الذي يشبه عروض السينوغرافيا أو كأوركسترا موسيقية يقودها الفنان بأعماله الخزفية الضخمة العلاقة الحميمة بينه وبين الأرض التي جعلت طاقته المبدعة تترك العنان لأصابعه تغوص في تربة هذا الكون، تعجنه بالماء، وتخلِّده بالنار، ليبقى حاضراً في تراث لا يندثر.

كاتبة من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية