في وضع الرقاد!

حجم الخط
0

عزت القمحاوي لا يلزم الإنسان إلا القليل من ألم البرد والقليل من خدر الحرارة المرتفعة ليحل سجينا طوعيا على فراشه ويتابع أحداث العالم عبر الشاشة من الوضع راقداً، مثل أي نظام عربي، تنبو الحوادث عنه وهو مبسوط. هل للأنظمة أجهزة عصبية كالتي للأفراد، تتخدر وتقل قدرتها على الاتزان والإدراك كلما أدركتها الحمى أو هاجمتها فيروسات المجتمع الدولي؟ لا متأخرة.. وأخرى أخيرة:

هل تشعر الأنظمة بالحياء عندما يتعين عليها أن ترد من ‘الوضع راقداً’ على الأيدي المتسللة لمعاينة عورتها؟

بالأمس، كان مسؤول مصري رفيع، لم تحدد وكالة الأنباء الرسمية درجته، يرد على التدخلات الأمريكية في الانتخابات البرلمانية، ويعتبر أن رفض الوصاية الدولية إجماع وطني. ربما كان الكلام صحيحا وينطبق على المواطنين أكثر مما ينطبق على النظام الذي لا يكف عن السعي إلى الوداد الأمريكي، على أن الوضع راقداً لا يستقيم مع لغة الرفض الحاسمة التي لا يقدر عليها إلا نظام آمن في قمحه ولحمه وملحه. لم تُسم التقارير ‘المسؤول المصري الرفيع’ وبالتالي لم تعرض الشاشات صورته، لكن المسؤول السوداني كان في الخرطوم يجاوب الصرخة المصرية بصرخة أخرى شمال سودانية ترفض التدخل. وزير الخارجية تحدث أمام الكاميرات والميكروفونات في الوضع واقفاً من دولة مبسوطة، دولة فاشلة أردتها عنصرية الحكم جيلاً بعد جيل، والحسابات الصغيرة لنظام لم يجد رادعاً يردعه عن التمثيل بمصير ‘وطن’ الكلمة العزيزة التي لا يتذكرها الطغاة إلا عندما تصل الأوطان إلى وضع الاحتضار. يذكرون الوطن عندما تصبح الـ ‘لا’ المتأخرة وربما الأخيرة هزلية ومريرة.

لا، إذ يقولها الواقف والقاعدالصورة لنتنياهو واقفاً في لنش يشق الماء والهواء أمام شواطىء ما كان يدعى بـ ‘فلسطين’ والصورة الأخرى للرئيس محمود عباس في مكتبه جالساً وخلفه علم فلسطيني ضخم لا تهزه الريح. كلاهما لديه الـ ‘لا’ خاصته، التي لا تشبه ‘لا’ الآخر في الثقل والثقة والشرعية. رئيس وزراء الكيان الاستيطاني منتفخ الصدر والأوداج، بعد أن أرسل أوباما، داعية حقوق الإنسان عديم النفع، إلى أحضان الطفولة السعيدة. اصطدمت آمال أوباما في السلام بغطرسة الكيان المحارب؛ فقرر أن يعيد تربية البشرية من جديد قبل البدء في جولة جديدة من المفاوضات. سيصدر أوباما كتابه الأول للأطفال، وعلينا أن ننتظر ترجمته إلى العبرية، وهو محض الكتاب الأول. ولا ندري كم كتاباً من أوباما يلزم أطفال إسرائيل كي يتفاوضوا مع أطفالنا في المستقبل بطريقة مختلفة؟! السؤال يجب أن يشغل الإجماع الوطني الفلسطيني والعربي أيضا، ولكن المخ لا يكون قادراً على إبداع الأجوبة الخلاقة في الوضع راقداً. ومثلما يسلي المحموم نفسه بقراءة خفيفة في رقدته الإجبارية، لا بد أن يفعل المسؤول الفلسطيني شيئاً.

نتنياهو يقيم التحالفات من أجل تمرير إيقاف بناء المستوطنات ثلاثة أشهر فقط، وهي مدة تتوقفها الإنشاءات في أي مكان بالدنيا إذا صادف المبنى ماسورة مياه أو كابل كهرباء لم يكن في الحسبان. الإسرائيليون يجيدون التمثيل بعضهم مع الوقف وبعضهم ضد، وهم أحرار؛ لأنهم يعملون من الوضع واقفاً، وليس على السلطة الفلسطينية إلا أن تتابع العرض من وضع الرقاد، وأن تفرح بأي مبعوث يعودها في رقدتها.

الرقاد في الشوارعفي البرتغال اتخذ دعاة السلام، مشكورين، الوضع راقداً أمام قمة حلف الناتو احتجاجاً على الأرواح التي تزهق في أفغانستان. المحتجون لم يكتفوا بهذا، لكنهم وضعوا شواهد قبور رمزية في حديقة الساحة، وإن فاتهم أن شهداء أفغانستان هم من المسلمين لا المسيحيين. وهذه ليست بالمشكلة الكبيرة؛ فلو بعث أبرياء أفغانستان بالساحة الجميلة بلشبونة أمس لما توقفوا أمام تفصيلة الصلبان موقنين بأن المباني الفيكتورية الجميلة بالساحة هي قصورهم في الجنة.

لكن، للأسف، لا يبعث شهداء تورا بورا في لشبونة. ولن يلتفت القادة المجتمعون إلى الـ ‘لا’ التي يهتف بها الشهداء الرمزيون المنبسطون خارج القاعة ولا الـ ‘لا’ التي ذهب كرزاي ليهمس بها في آذان المجتمعين.

أوروبا لديها لا أخرى أولى بالانتباه، جاءوا جميعا ليقولوا ‘لا’ كبيرة لإيران؛ فبعد عقدين من اصطناع الإسلام العدو ينبغي على الغرب أن يكون محددا أكثر وأن يختار الجزء الذي سيخصه بالعداء، أما الدرع الصاروخي فلا يوحي إلا بعودة الممثل الموهوب في السياسة رونالد ريغان ليحتل مكان أوباما، في عالم تعملقت فيه إيران حتى صارت بحجم الاتحاد السوفييتي!

هي تجربة، سينتظر قادة الغرب نتائجها على مصانعهم الحربية واقتصاداتهم المتداعية، ومهما كان الأمر؛ فليست فنتازيا التنشين على إيران بأكثر غرابة من فنتازيا حرب النجوم التي جرت السوفييت إلى مستوى من التسليح العسكري لم يتحملوه في الوضع راقداً وجرهم إلى النفق المعتم.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية