إن الحديث عن الدولة العربية في علاقتها بمسألتي الشرعية والمشروعية، إنّما يحيل إلى لحظة في التاريخ، متمثلة بالقطع مع مؤسسة الخلافة وحلـّها، وهو أمر أحدث قطيعة مع الفكر الخليفي، وولـّد المناقشة أو المناظرة الفكرية والسياسية على مستوى النظر العربي الحديث، وهي مناظرة تقارب مسألة المشروعية التي يقتضيها الاشتغال الوجودي للجماعة، وضرورة وضع أسس فكرية جديدة للنظرية السياسية المدنية، المرتبطة بإعادة التفكير في مسألة المرجعية، وإعادة بناء الدولة الحديثة، التي انقطعت عن السلطنة، على اعتبار أن ذلك، حاجة جديدة يستوجبها أمر الاجتماع السياسي. إلا أن هذه العملية، إنما تمّت ضمن امتداد لعملية في اغتصاب التاريخ الخاص، وفي سياق عملية إلحاق قسري للنظام السياسي، بنموذج مرجعي يتموضع خارج البيئة الحضارية. لذلك يبدو أن مشروع الدولة العربية الحديثة، وهو يغامر بالانخراط في أفق الحداثة السياسية وتصوراتها الليبرالية، إنما استند إلى عملية في الاغتصاب التاريخي للمؤسسات الأهلية، بمعنى أنه استند إلى لحظة في العنف التاريخي الرهيب والمدمّر، يشهد عليه فشل المشروعات التحديثية وتناقضاتها الرهيبة في العالم العربي الإسلامي، ولعلّ أبرز تجليّات أو امارات ذلك الفشل، إنما تتمثـّل في أزمة الحريات وغياب المدينة بمنطق الفلسفة السياسية، ومعها ثقافة المواطنة وتغوّل شبح الدولة وتوحّشها وتماهيها مع الأحزاب المتفرّدة بالحكم، على مدى تجاوز ستة عقود، وانخفاض مستوى الإنسانية في ‘مواطنيها’ وتدمير مؤسسة العقل والفكر والحرية والإبداع وغيره من المؤسسات الحقوقية والتشريعية. هذه المعطيات إنما تتحدّد بوصفها، ‘أمارات’ على غياب المشروعية المشغـّلة لمؤسسة الدولة، وبالتالي فقدان تلك الكيانات القمعية والديكتاتورية، التي تشغـّلها حتى هذا الآن التاريخي، نصوص في الآداب السلطانية، ونموذج في نظام الإنتاج الآسيوي، لشرعيتها السياسية، لذلك فإن المشهد العام للتاريخ السياسي العربي المعاصر، إنما يحيل إلى بنية في التناقضات الرهيبة والخطيرة، المعقـّدة والمركـّبة، والتي تنفتح على جدليّة، تجمع بين السياسي والديني والقانوني والنفسي والتشريعي وغيره.
هذا التصور استمرّ واستقرّ حتى اليوم، مؤسسا لشيء من التوتـّر، لا يزال قائما ومستقرّا في الوعي العربي الإسلامي على مستوى الحالة العربية الراهنة، ذلك أن الدولة العربية الحديثة بمختلف مراحلها واحراجاتها وانقلاباتها، إنما أتت نموذجا أو كيانا، نازعا نحو التدمير والهدر والتقبيح، تدمير مختلف أدوات الإنتاج الحضاري وآليّاته، ولعل أبرزها مؤسسة الدولة ذاتها، ومعها العقل والسياسة والدين والمجتمع والإبداع والفعالية العمرانية والحضارية، والتشكـّل أو النماء الروحي والإبداع الفني والإنساني، كما أنها مشروع في الإحباط والأزمات القاهرة، جلبت معها قدرات هائلة في العنف، وتفكيك قاعدة الاجتماع العربي الإسلامي التقليدي، من دون أن ‘ تحقق شيئا من موعوداتها في التسامح الفكري والسياسي’. يتعلق الأمر، ببرنامج أو منهج، في فن أو آداب أو فقه في المصادرة، مصادرة الدولة العربية للإنسان، ومعه السياسة والعقل، والدين والحضارة والإبداع والشعر، والجمال التاريخي ومغامرة الوجود وتخفيض مستوى الإنسانية وهدره، على مستوى كينونة الإنسان العربي الإسلامي، وذلك بسبب الإلحاق القسري والعنيف لقوى المجتمع، من قبل تحالف سلطوي مدمّر، متمثل بالسلطة والمال والجهل، يظهر جليّا من خلال تحالفات الأجهزة الأمنية والعسكرية والمخابراتية، التي لم تسلم منها، لا العقول ولا الأرحام ولا القبور، الأمر الذي أحدث نوعا من الفراغ الرهيب على مستوى التواصل مع الرأي العام. لكن هذا المد الثوري المشرق والنقي، وهذه الحركة التاريخية الكبرى، إنما يعبّر عن حالة إبداعية رهيبة، وعن موقف أخلاقي وتاريخي وإنساني جلل، قد صمّم على مصادرة العنف التاريخي المتمركز والمبثوث في كيان الدولة العربية الحديثة، نحو أفق إنساني وسياسي آخر، قادم من هنا وهناك، مفكـّكك لمؤسسة في العنف التاريخي والرّوحي، باتجاه مشروع في أنسنة الدولة والسياسة، وتحرير الفضاء المدني العام من طاغوت العصر وطغاته. (الدولة العربية، وحكـّامها). علي الطرشي القصرين – تونس