عمر أبو رصاعصدر يوم (27 آذار/ مارس 2011) بيان مجلس النواب الأردني وعنوانه الرئيس: ‘رفض الدعوات المطالبة بتحديد صلاحيات الملك الدستورية’. طبعاً في العرف السياسي الإنساني لو عرض هذا الكلام على أي برلماني لما تردد لحظة في اعتباره كلاما غير مسؤول وغير ديمقراطي، ولا يمكن على الأقل أن يصدر من برلماني، فهل من المعقول أن يكون هذا برلمان يمثل أي شعب. لكن العجب كله ينجلي عندما نعلم أن الكلام صادر عن المجلس المسمى في الأردن بمجلس النواب، وهو في حقيقة أمره ومع إضافة مجلس الأعيان إليه لإنتاج ما يسمى بمجلس الأمة، لا يعدو كونه جزءا من المسرحية السياسية الأردنية المخابراتية بامتياز، التي يصر من لا يريد أن يعترف بالحتمية التاريخية للتحول الديمقراطي على طرحها بطريقة مستفزة، لا تقل في تناقضها الصارخ والمضحك عن التناقض الذي انتجته الفجوة الحضارية بين الإنسان العربي ونظامه السياسي الاقتصادي الاجتماعي، بين الإنسان المنفتح اليوم على الفضاء الكوني والفيس بوك، وما يتوفر له من معلومات من ناحية، والمادة الإعلامية التي تردّه إلى القرون الوسطى عندما يشاهد احدى وسائل إعلام نظامه من ناحية أخرى.
إن الإصرار على الدفاع المستميت من قبل البعض على تقديس الملكية المطلقة، هو وبكل أمانة، تشبث بالقيد ولثم سواره، كيف لا يرى هؤلاء أنه لم يبق في عالم اليوم سوى ثماني ملكيات مطلقة جميعها للأسف في العالم العربي! كيف لا يرى هؤلاء أن التحول الديمقراطي الذي هو جوهر مشروع الثورة العربية الحديثة بات بمثابة حتمية تاريخية، وأن نظمنا بمضمونها وشكلها القائم كان من المفروض أن تتحول أو تنهار منذ انهيار جدار برلين مع منظومة الكتلة الشرقية.
لماذا تصر العقليات المخابراتية (الراجل اللي واقف وراء عمر سليمان) على ألا تفهم وأن تكرر نفس الأخطاء والغلطات، وقد كان من ضمنها الجريمة السياسية التي انتجت وبالتزامن مجلسي الشعب المصري والنواب الأردني، وبآليات مسرحية متماثلة وبتطابق مدهش في التجربة وأسلوب التطبيق.
ثم ماذا يمكن أن يقال في مجلس النواب الأردني؟ أليس هذا المجلس هو نفسه الذي أعطى أعلى نسبة ثقة في تاريخ الأردن لحكومة سمير الرفاعي التي اسقطها الشارع؟ والطريف أن أحداً في المجلس لم يجرؤ على مجرد سؤال كيف تسقط حكومة أعطيناها كل هذه الثقة قبل أشهر فقط؟
إن المهزلة السياسية التي تمارس اليوم في الأردن لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى الدستور نفسه، فما يسمى بالمجلس العالي لتفسير الدستور، الذي يرأسه دولة طاهر المصري رئيس مجلس الأمة قبل نحو عام قال بعدم دستورية نقابة المعلمين، ثم عاد قبل أيام وبقدرة قادر ليقول انه لا تعارض بين النقابة والدستور. فهل تغير الدستور أم تغير المجلس؟ الحقيقة لا هذا ولا ذاك، الذي تغير هو العالم العربي والأردني منه، وما فرضه على الطغمة المهيمنة على القرار في الأردن، وهكذا لنا أن نسأل أين الدستور أصلاً وما مدى احترامه؟ وهل هو موجود كأداة في يد الطبقة الحاكمة أم أنه فعلاً عقد اجتماعي؟ لا نستطيع هنا مقاومة الذاكرة التي تستحضر أسرع تعديل دستوري في التاريخ الإنساني، حيث لم يستغرق أكثر من خمس دقائق وهو الذي مكّن بشار الأسد من تولي الرئاسة في سورية.
يزعم البيان الذي أصدره مجلس النواب الأردني أن دافعه هو الحرص الحقيقي على رمزية العرش الهاشمي وكونه ضمانة، إلا أن تنزيه العرش الهاشمي لا يمكن تخيله موضوعاً إلا بكونه عرشاً لكل الأردنيين، فإذا لم يكن الملك ملكاً لكل الأردنيين، صار طرفاً في اللعبة السياسية، وإن كان هذا أمره سقطنا في التناقض الصارخ بين الأصل الملكي الدستوري القاضي برفع الملك فوق المساءلة، وكونه طرفاً في اللعبة السياسية.
من هنا فإن الحرص الحقيقي على استمرار العرش الهاشمي، وعلى كونه ضمانة للدستور هي في أن يكون الملك حكماً بين القوى المختلفة، فالملك ملك للجميع وليس مع طرف ضد آخر، ونحن هنا لا نعيد اكتشاف العجلة، ولا نخترع عرفاً سياسياً لا تعرفه البشرية، بل هو العرف الراسخ في كل ملكية في العالم بطبيعة الحال إلا الملكيات العربية المطلقة التي باتت اليوم خارج تاريخ الإنسان المعاصر.
لم يقف العقل الممسك بتلابيب السلطة الرافض لأي تنازل للشعب عند هذا الحد، بل تطاول للتلاعب بالوحدة الوطنية للنسيج المجتمعي، وبطبيعة الحال تبدو لعبة الأصول والمنابت القديمة الجديدة هي الفضلى عنده، هذا الاستقطاب الجهوي الذي اسقطه حراك شعبنا لتتجلى وحدته في أجمل صورها يومي 24-25 آذار/ مارس، يصر على أن يعيدنا للمربع الأول ومهما كان الثمن، لكن روح 24 آذار التي وقف فيها أبناء شعبنا في ميدان جمال عبد الناصر موحدين خلف هتافاتهم النوعية ‘بالروح بالدم نفديك يا أردن’ وصدحت الحناجر معاً تغني ‘موطني موطني’، تلك الروح التي أذهلتني وأنا أرى من استقدموا لرمي المعتصمين بالحجارة ولم يكن عددهم يتجاوز العشرين في مقابلة الآلاف، فيما يقابلون بهتاف ‘سلمية سلمية’. ورغم الفارق العددي الفادح لم يحرك شباب الاعتصام يداً أو حجراً ضدهم، قدموا الجريح تلو الجريح، بل وسقط منهم اثنان ليصبحا شهيدين، ومع ذلك لم ترفع لهم يد ولم يضرب منهم حجر، انضباط هائل ووعي يستحق منا عميق تأمل وتقدير، هذه الروح الوثابة لا يمكن أن تنكسر، وهي رغم فض الاعتصام، بالتأكيد من ربح جولة اعتصام ميدان جمال عبد الناصر على الأقل في وجدان شعبنا وفي صميم وحدته، لقد عشنا في الميدان 30 ساعة، ولأول مرة عشنا شعباً واحداً حراً يعي تماماً ما يريد ويتصرف ببهاء وألق مذهل لا يدانيني معه شك في أن هذا الشعب يستحق الحياة، وأن الشعب سيظل أبداً هو المعلم.’ كاتب وباحثالأردن – جمعية المواطنة والفكر المدني