لا إصلاح مع القتل.. فالعربي الآن حر وحر وحر

حجم الخط
0

محمد كتيلة لولاهم فقط.. لولا انبعاثهم من باطن الأرض الخراب، من مراجل الغضب، من السأم والبؤس والحضيض… لولا ارتعاشاتهم المقهورة التي أفلتت من عقالها من شدة أوجاع الضمير المتآكل والمثلوم في قلوبهم الغضة وفي أرواحهم البريئة المشمسة، التي لا تزال حتى هذه الساعة تُعلب بعد الذبح لإطعام كلاب القصور، وتقدم فاكهة عذبة لأرباب القلاع والحصون وعائلاتهم وأقربائهم ورجالات الاحتيال اللصوص. لولا هذه الجموع الغفيرة من الضحايا التي أزهقت على الملأ وفي كل زاوية وبيت وشارع ووسط الميادين والساحات المكشوفة لأزيز الرصاص والقنابل، وزمجرة الحيوانات الكاسرة التي تمطت وانتشرت بانحطاطها ووحشيتها وشهيتها المفرطة الجائرة للقتل والتدمير وسفك الدماء النقية الطاهرة. لولا أهالينا في تونس ومصر أولاً وثانياً، لكانت مصر قد ذهبت أدراج الرياح، ولترمدت تونس باخضرارها ولساد الموت في كافة الأرجاء العربية وعم ظلام الظلم والظلام، إلى أمد ليس بقصير، تشتم منه روائح أبد قد يطول إلى الأبد، لولا قبضاتهم السمراء التي لوحت في وجوه الطغاة، لولا الرقاب التي انتفضت على نيرها، ولولا السواعد الفتية القوية البهية، التي تحررت من أغلالها وأقفاصها.. لولا غضبة تونس وهبة نارها، ولولا الريح الصرصر التي عصفت على أرض الكنانة لعافتنا العفونة، لتجرعت الشعوب العربية قاطبة الصديد في كؤوس من علقم، لداست علينا الدواب بعد النعال، لترحم علينا الذباب الأزرق.

لولاهم، ولا ندري من هو من بعدهم إلى الآن، لولا حناجرهم التي صرخت فتطهرت من أسماء الطغاة وأشكالها وألقابها المرعبة، ولولا وجوههم التي امتلأت بالغضب، والتي أجبرت الطغاة العتاة على الانحناء، من ادعوا الألوهية وملكيتهم للراهن والقادم وما سيأتي للأبد، لتوقف الزمن عند حدود أقدامهم وأحذيتهم، وسُحقت الشعوب وذهبت في خبر كان، وأيضاً للأبد.

هم الذين منحونا فرصة استثنائية لا تنسى، في الزمن العربي الرخو، لرؤية انبلاج الفجر على أرض الوطن العربي، وكيف يولد وبأي دم يكتب، وعلى ماذا يبنى وكيف يتشكل المعنى.. هؤلاء من كتبوا ولا زالوا يكتبون سورة التاريخ الجديد، هم من أذنوا للتاريخ أن يبدأ في تدوين سيرة الحرية، بلغة إنسانية تنفتح على كون أعمى، بعد أن شدت انتباهه للكيفية التي يصنعون بها المعنى الحقيقي للحرية، وكيف يكون الموت من أجلها وباسمها.. هم وحدهم من نحتوا ومن ينحتون وجه الحرية النبيل، بإزميل الإرادة المكتفية بالعزيمة وبالإصرار الهائل الجبار لعناق الحياة الحرة الكريمة ولمرة واحدة، وبصوت واحد ‘الشعب يريد إسقاط النظام’، النظام الغادر الذي يحجب عنا كل مصدر للضوء وكل هواء للتنفس وحتى لقمة العيش، ناهيك عن شربة الماء.

الشعب يريد إسقاط النظام الذي عافه ومله وقرف منه، فإما الموت وإما الحياة ولا شيء يتوسط بينهما. وما يُفجع الآن وجود قلة ممن احترفوا العمل السياسي وممن عارضوا النظام وأهينوا غير مرة، في معتقلاته وسجونه، لا يتورعون ومن غير قصد، بل عن بلاهة وعته سياسي، وبسبب انغراز الخوف في أعصابهم وأجسادهم وأرواحهم، التي أرهقت وأتلفت في السجون، من القول والتصريح علانية وعلى هذه الصحيفة وبحسن نية وحفاظاً على الأرواح، لدعوة نفس النظام في المباشرة بالإصلاح، مستفيدين من شعار الجماهير الواضح والصريح، الذي يعبر عن جميع معاناتهم وآلامهم ويختزل طموحاتهم وتطلعاتهم ورؤيتهم للأمل بعد الخلاص. شعار امتزج بالدم، وذهب من أجله ضحايا بالمئات والآلاف، شعار ساروا به واحتضنوه، ناموا به وعاشوا عليه، شعار صار راية، تحول إلى علم، أنشودة أغنية تردده الملايين، وبإيقاع واحد متفرد ومنفرد، في الساحات والميادين، طافوا به في المدن في الشوارع، ولم يفلتوه من أياديهم طيلة ايام وايام، رغم البرد والفتك ورغم الجور والطغيان، انتصروا به وكبروا فيه وصار ملكاً لكل الشعوب العربية تفكر به وتعيش من أجله، حتى تأذن الساعة للنزول به إلى الشوارع طلباً للحرية.

شعار قُدَّ من تعب ووجع، من معاناة طويلة وصبر دؤوب لا يجفل، ارتفع في أعالي السماوات، للقاصي والداني وليس للعصابات الشيطانية فقط، بل لمن يريدون لهذه العصابات المارقة أن تبقى معربدة متربعة على صدور البشر، هذه العصابات التي تحتجز لقمة العيش عن أفواه البشر حتى تنبح وتستجدي، وهنا المفارقة الغريبة العجيبة، من هؤلاء الأوصياء ومن دون أن يوصيهم أحد، كيف لا يرون هذا الشعار الواضح والصريح وكيف يستبدلونه بشعار أجوف أخرق، يطالب القاتل بأن يصلح من نفسه وهو لا يعرف من الحياة غير القتل. ولا يرى بالشعب غير خراف جاهزة للذبح. بعض الأحزاب المعارضة من دهاة اليمين المشعوذين وأنبياء اليسار العجزة الذين باتوا يتامى، لا يحبون قراءة ما لا يكتبون، ولا يفهمون ما يفكر به غيرهم ولا ينطقون عن هوى، بل عن بلادة وضيق أفق لا أبواب له ولا نوافذ. ولو خالط شعار الجماهير العظيم ـ في مصر وتونس – أي شعار لهؤلاء لتحولت الميادين إلى أنهر من دم لا يمكن تجفيفها.

ولو الإصلاح الذي يدعون، يعني أن يسلم اللا نظام نفسه ومن أعلى الهرم، بحراسه وأمنه وحكومته وكلاب قصوره، ورجالات النهب والسلب، مقيدين بجرائمهم واغتصابهم للسلطة وسرقة ونهب الوطن، في السر والعلن، بالإضافة إلى احتقارهم للشعب، لآمنا بهذه الدعوات، التي تجيء في غير محلها وفي الأوقات الصعبة، وأي تعديل سيعدل اللانظام، إن كان هو فوق الدساتير والقوانين وهو من ألغى الدساتير وانتهكها في وضح النهار، وهو من داس على القوانين. هذا نفاق سياسي وثقافي وأخلاقي، فأنت عندما تدعو النظام ببعض الإصلاحات، والجماهير لا يمكن أن تتنازل عن سقف مطلبها الذي يختصر كل شيء، ألا وهو إسقاط النظام، فكأنك تعترض على هذا الشعار ـ ولا أقول تخون – وفي ذات الوقت تستخدمه كفزاعة لإخافة اللانظام والضغط عليه وكأنه يسمعك وهو لا يكترث بك وبغيرك، وكأن الملايين التي نزلت إلى الشوارع وغيرها التي ستنزل قريباً في كافة الساحات العربية، لا تعنيك، وكأنك لا تراها، وكأنك لا تستطيع أن تسلم لها قيادة المرحلة – رغم أنك ما امتلكتها يوماً – والتي عجزت عنها دائماً، ولأن الجماهير لم تكن تسمع باسمك، يستوجب على هذه الجماهير أن ترفع شعاراً تاليا، تطالب به ليس إسقاطك من أوهامك، بل الطلب منك وبكل مودة ومحبة الابتعاد عنها قدر الإمكان، وعدم التكلم باسمها وهي في الميادين ولم تنسحب بعد، وتفضل أن تتوقف عن الكتابة في ما يخصها ويخص شؤونها، فقد لا تصفح عنك ولا تغفر لك، إذا ما توفرت لك الفرصة الآن ولم تغتنمها بالصمت والسكوت والتنحي عن كبرياء العقل الخرف.

الفارق الآن، ما بين أحزاب المعارضة، ونخبتها التي تخشبت وعجزت وسوست، وبين الجماهير ‘الشباب والشابات’، أن الأحزاب كانت تناضل باسمها بينما الجماهير تناضل في هذا الزمن/زمنها، باسم الشعب كله وبجملة واحدة لا تفصيل لها ‘على الأنظمة أن ترحل’ وترفض بشدة أن يتدخل اي حزب في شؤون عملها، فقد يتعكر المزاج وتُمنح الفرصة للسلطة أو اللانظام وأكرر من غير قصد، لمعاودة البطش والتنكيل، مستقوية بهذه الأحزاب، بعد أن فقدت شرعيتها وانتهى أمرها. فكفى ولا تكونوا دفة خلاص لمن هم أعداؤكم أيضاً.’ كاتب فلسطيني يقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية