كفى الزعبيبت أعرف أسماء المدن التونسية التي لم أكن أعرفها. ثم بت أعرف أسماء المدن المصرية المجهولة لدي، ثم الليبية، ثم اليمنية…ثم… وفي التتابع ذاته بت أضيف إلى قائمة ‘ المفضلة’ على شاشة تلفازي المحطات الرسمية لتونس، ومصر وليبيا…و…اليوم صباحا غبت عن الشاشة قليلا، وحينما عدت إليها رأيت شابة تلوّح بيديها يمينا وشمالا وهي تتغنى بالقائد ومن خلفها صورة لمدينة. صورة قديمة. تلوّح الفتاة بيديها وتشير إلى عينيها ثم تشير إلى قلبها، ثم تشير إلى الخلف، إلى الصورة، حيث يفهم المشاهد ومن غير أن يكلف نفسه مشقة الاستماع إلى ركاكة النص المُغنّى، وسذاجته، أن القائد يسكن في العيون وفي القلب وأنه هو الذي بنى المدن وصنع الوطن. للوهلة الأولى، وبعفوية تامة، اعتقدت أنني أشاهد محطة التلفزيون الأردني! لكنني سرعان ما أدركت أنها محطة ليبيا. أدركت ذلك من شريط الأخبار في أسفل الشاشة، حيث تتلاحق بطولات وانتصارات الوطن الذي هو القائد ولا أحد غيره. وفي الحال راودتني فكرة طريفة، وهي أن الثورات التي ابتدأت في عالم الإنترنت الإفتراضي قبل أن تنزل إلى الشارع، تقابل الآن برد شبيه: محاولة زج الناس في عالم الوهم الافتراضي: كل شيء بخير، واليمقراطية سائدة، والناس ينعمون بالرخاء، وليس ثمة ثوار ولا دماء ولا ضجيج ولا طائرات تقصف ولا مرتزقة تقتل ولا صرخات استغاثة. إنها إشاعات سامة. عالم افتراضي يجب علينا أن نتخيله ـ بالقوة ـ ونصدقه ونعيشه، حتى لو غرقنا في الرفض والدماء والجحيم. هذه الفكرة العابرة، بالإضافة إلى مشهد الفتاة التي تغني للقائد (ملك الملوك) ليس سوى أحد الجوانب الهزلية من العروض التي قدمتها الأنظمة العربية أثناء سنوات حكمها الطويلة، قبل أن تدخل هذه العروض فصولها الأخيرة: الدموية، فيما هذه الانظمة تنهار. الفتاة لا تزال تلوح بيديها وتشير إلى عينيها وقلبها، وشريط الأخبار لا يزال جاريا، فيخطر ببالي أن علم الخطاب والإشارة ـ السيمياء ـ سيقع مستقبلا في مأزق حينما يتناول أداء هذه الأنظمة. فمن جانب، ليس هناك أدنى حاجة للتعمق والتحليل في دراسته، لسبب بسيط جدا وهو غياب أي عمق…فأدوات هذا العرض سطحية وركيكة لدرجة تجعل من فكرة دراسته وحمله على محمل الجد، مضحكة … لكن، ومن جانب آخر، لا مفر من حمله على محمل الجد لأن هذا العرض يستولى ليس على ساعات معدودة داخل فضاء مغلق، بل يحتل حقبة تاريخية بكاملها، ويصادر حق الأغلبية الساحقة فيها من الوجود، في البداية بواسطة القمع، والآن بواسطة الوحشية والدموية، وفي الوقت ذاته يطالبنا ويفرض علينا أن نصدق الوجه الجميل للوهم الافتراضي: كل شيء تمام وعال العال وما شاء الله وزغردوا وارقصوا وهللوا. في خلفية المشهد هناك دوما صور لبنايات، ومستشفيات وأطباء يعالجون المرضى، وحدائق فيها ورود، ومعلمات يدرسن أطفالا، وعمال بملابس نظيفة… والخ. ماذا ينقصكم أيضا ايتها الشعوب؟! في الحقيقة أنا أشعر بالحسد تجاه أولئك الذين سيدرسون لغة خطاب هذا العرض وإشاراته في المستقبل، إذ سيكون بوسعهم الضحك كما يشاؤون. سيقهقهون وهم يتخيلون ليس طرافة الأداء وحماقته بل أيضا نتيجة أسئلة تبدو أكثر جدلية وطرافة: من أين استقى هذا العرض ديمومته؟ وكيف انطلت سذاجته ورثاثته وغباؤه وأمّيته على الناس كل هذا الزمن؟ فهو ـ اي العرض ـ وقبل أن يستهين بكرامة الناس ويستهين بالمفاهيم التي تخص حريتهم ووجودهم، يستهين أولا بذكائهم إذ يخاطبهم بلغة لا تنسجم مع أدنى معايير الذكاء والإدراك العام للبشر. أنا أسمع صدى هذه الضحكة القادم من زمن آت يبدو فيه الضحك ممكنا: المستقبل، حينما ستغدو هذه الأنظمة من مفردات الماضي. لكن الآن، وللأسف ليست ثمة مساحة للتندر، إذ أن الكارثة التي نحياها تكمن في أن أحداث هذا العرض لا تجري على صفحة ماض ولّى، ولا على خشبة مسرح، بوسع المشاهد الخروج من قاعته في اللحظة التي يشاء، بل تجري في الواقع الذي نحن جزء منه ـ جزء من مأساته ومن حماقته. والكارثة الأعظم أن ممثلي هذا العرض (بمرتزقتهم ذي الأصوات المهللة، والأيادي الملوحة بإشارات مضحكة، وذي الأقلام التي تردح، ثم ذي العصا التي يحملها البلطجية) يريدون الآن فرض استمرار عرضهم بالأسلحة: ببنادقهم، وطائراتهم، وجنونهم وإفلاسهم. قلبت المحطة عن ليبيا، وحولتها إلى عمان ـ فقط استجابة للفضول ـ ولم تخيب محطة التلفزيون الأردني ظنوني، إذ سرعان ما رأيت عليها شابا يصرخ مغنيا وهو يلوح بيديه، حيث يظهر تارة في لباس غطس تحت الماء وسط مجموعة من الغطاسين، ومرة في لباس عامل يضع على رأسه طنجرة، ومرة في لباس جندي وسط كتيبة محاربة، وفي كل الأوقات والأماكن يصرخ ممجدا بطولات وانتصارات وهمية في معارك حدثت في الخيال، سُحق وسيُسحق فيها أعداء لطالما ظننت أنهم وهميون، لكنهم يبدون لي الآن واقعيين، إنما ينعمون بالأمن بفضل صمتهم وطاعتهم وحسب. كاتبة من الاردن