عدي مداناتصفحة السماء الواسعة مرصعة بالنجوم المتلألئة في هذه الليلة العاشرة من ليالي احتشاد عشرات آلاف أجساد الرجال على فسحة أرض مبسطة. لا سقف لها يحجب السماء، وربما هذا ما دفع أحمد المتوكل وهو مستلق على ظهره لأن يضع رأسه على راحتيه ويديم النظر بشغف شديد إلى ما لا يحصى من النجوم. كان الصمت مطبقاً على المكان وهبات الريح تمر بدعة على وجوه المعتصمين المتدثرين بما يقي أجسادهم برودتها، وهو لا يعرف مًن مِن المعتصمين يغط في نومه، ومن منهم يلحّ عليه خاطر ما ولا ينام، فقد كان الضجيج عامراً في النهار والحناجر لا تكف عن الهتاف والسواعد عن التلويح بقبضاتها، والسيقان عن الانتصاب، حتى إذا جنّ الليل استحقت الراحة. حانت منه نظرة إلى وجه صديقه جابر النهّار وهو مستلق بمواجهته على جانبه الأيمن ويغط في نوم عميق، ثم أطبق جفنيه هو الآخر، غير أن دويّ طائرة دفعه لأن يفتحهما من جديد ويستجمع حواسه. استيقظ جابر في الوقت نفسه ورفع جذعه هو الآخر فرآه وتوجه إليه بالسؤال:- ألم تنم بعد؟ رفع نظره نحو السماء ووضع راحتيه على ركبتيه وبنبرة صوت أقرب إلى الهمس انسابت كلماته: – كنت أشاهد النجوم وأفكر، أن حياتنا ربما كانت أجمل لو أتيح لنا أن نستلقي جمعياً كما نحن الآن في ساحات معشبة أو على شواطئ البحر، وليس ثمة ما يشغل فكرنا سوى التنعّم بهدأة الليل ونجوم السماء، وأغاني الحب، ثم ننهض في النهار وكلنا متفقون على بناء دعائم حياتنا كما ينبغي أن تكون قوية راسخة، ونوفر للجميع خبزاً وفاكهة.
بدا وكأن ما قال يشربه الليل، فلم يعقب جابر، وإنما نظر بدوره إلى النجوم وأطال النظر ثم قال: – لي غرفة نومي وسريري ونافذتي التي أتركها مفتوحة في ليالي الصيف، ولم اعتقد يوماً أن ساحة جرداء وسماءً مكشوفة ستكون أحب إلي من غرفتي وسريري. لم يعقّب أحمد، فساد صمت لم ينل منه سوى شخير معتصم مجاور إلى أن قطعه بالسؤال:- أعمر بخير؟’بخير.. الحمد لله’ أجاب جابر ثم أردف: – حادت الرصاصة عن قلبه وهو يرقد في المستشفى بسلام، وأنت هل… قطع أحمد الكلام عليه وقال: – أنا بخير. تلقيت مكالمة من عزيزة، لم أكن أتوقع أن تبادر إلى الاتصال بي، فلم يكن بيننا كلام كما تعرف. كتبت لها رسالة سأقرؤك إياها في الصباح إن مرّ الفجر دون عدوان.’وأنا تلقيت مكالمة من أمي’ قال جابر، ثم أخرج من جيبه علبة تبغ ووضعها بينهما وتابع:- كدت أقول لها: أنا عائد للمنزل وأنا أسمع صوتها الحنون، غير أنها وكمن لمست ضعفي شددت من عزمي وقالت: كان أبوك سيفعل الشيء نفسه لو طال عمره، فخجلت من نفسي. عجيب أمر أمي تحثني على الصمود وهي التي تطل يقظة إن تأخرت في السهر، وإن عدت مبكراً تسألني لماذا عدت مبكراً، أليس لك أصحاب ثم تعرض علي تجهيز الحمّام، يتبعه الشاي، ثم تقول وأنا أتناول الشاي: ينبغي أن تتزوج وأن تأتي لي بأجمل الفتيات، بوجه صبوح وعينين واسعتين وأسنان منتظمة تبرز مع ضحكتها وشعر ناعم منسدل على الكتفين، فتاة تعرف كيف تعد لك أطيب الوجبات، وتنجب لك أجمل الأبناء. سأوليها عنايتي الكاملة وأحنو عليها وأقوم عنها بما يصعب عليها القيام به. أخذ أحمد الحديث بدوره وقال: سأعمل أنا وأنت في الصحافة. أتزوج أنا عزيزة وربما تستحلي أنت فتاة بمواصفات أمك وتتزوج في نفس اليوم، فالعالم بعد الآن سيتغير وسنصبح أحراراً وكلمتنا محترمة.
قال جابر: سنعلن أن الحياة جميلة وأنها ملك لنا وأننا نستطيع أن نفعل المعجزات فلا يقال إننا شعب متخلف. لقد صنعنا ثورتنا وأنرنا شعلتنا وأزحنا الطغاة. من جديد صمتا وتركا لليل أن يقول كلمته وللأحلام أن تنساب بلطف ودعة، فأحذ النوم يداعب جفنيهما، ينطبقان لحظة وينفرجان. غير أن أحمد نطق أخيراً قبل أن يستولي النوم عليه: – أيمكن لك أن تحمل رسالتي إليها في الصباح. أجاب جابر وهو يستسلم لقوة النوم. – سأفعل.
علت الأصوات في الصباح، فقد بدأ الهجوم المنتظر، ومع ذلك لم يثن جابر عن حمل الرسالة لعزيزة، غير أن الرسالة لم تصلها أبداً، فقد أصابته رصاصة في مقتل، لحظة أن صار عند حافة الساحة.
كاتب من الأردن