عبد المنعم الشنتوف
الطريق إلى وجهها الأسمر الجميل يشبه عودتي في ذلك المساء الماطر من مقهى لو بوتي برانس الواقع في زاوية عجيبة تتسم بقسوتها وبهائها. أقذف بجسدي في الانحدار الموحش الذي يبدأ قرب مدرسة طارق بن زياد لينتهي قرب الجدار المقابل لمطعم الجنينة. الساعة تشير بحكم العادة إلى التاسعة ليلا ولم أعثر على الزقاق العجيب الذي حدثتني عنه وأفرطت بحكم العادة في الحديث عن تفاصيله وعلاماته الدالة رغم كل التدابير التي توقيت بها منذ أن غادرت المنزل في تمام الساعة السادسة والنصف والأسئلة التي تفجرت في داخلي والتي جدت ببعض منها على الوجوه القادمة من بناية كافراد أو ساحة الأمم أو الصاعدة من الكورنيش المتعرج كثعبان ومحطة القطار المهجورة والبحر المالح ذي الألوان العكرة. غابة من الإسمنت الغبي تكتم الأنفاس وترغم الجسد على الصراخ المجنون. سألني أحدهم وهو يعبث بسلسلة مفاتيحه ويشد خصلات من شعره الأسود والأشعث: هل أنت متأكد من اسم الزقاق؟ أومأت برأسي دلالة التأكيد وأنا أتأمل حركات يده اليسرى وأقيس حدود قدرته على أن يلقي بالجواب في التو واللحظة، وأن لا يغرق في التهويم والشطح كعادة أهل المدينة أو عتاقها على الأقل. تطلعت إلى الساعة بشكل قهري لأكتشف أنها تشير إلى التاسعة والربع. تذكرت وأنا أستشعر قلقا غامضا أنها حذرتني من أي تأخير قبل أن تتبادر كعادتها إلى إغلاق السماعة بنزق. حييت الرجل حين تبين لي عجزه واندفعت لا ألوي على شيء صوب الكورنيش المغمور بالأنوار الفاضحة. دلفت من بوابة حجرية قصيرة مصبوغة بالجير الأبيض ثم عبرت الممر الآمن إلى البحر. عرتني الشمس من جلدي بعد المكالمة الهاتفية القصيرة ورأيت فيما يرى النائم أنني كنت أنهج بقوة وأنا أخبط في الأرض الساخنة وأتطلع من خلل عينين غائمتين إلى حركة الناس وزعيق السيارات المتهالكة وصراخ الزمن ويبوسة الرؤوس التي توالي الالتفات المعتوه يمنة وشمالا وصعودا وهبوطا، وانتهيت كعادتي داخل المقهى ذاته. عرتني الشمس اللافحة والصباح في أوله فلعنت جسدي الخائر الذي كاد أن يتداعى، وهمست للنادل ذي الجسد القصير والمدكوك وأنا أمسح العرق الذي كان ينساب من منبت شعر رأسي وأعلى ظهري بشرابي المألوف. ضاعفت الأنوار الليلية هذه المرة من قلقي وحولت التأخير إلى ما يشبه جريمة حمراء أتهيأ لاقترافها. لا شك في اسم الزقاق والعلامات التي جادت بها بصوتها الأنثوي الرفيع كافية لكي تسلس لي السبيل إليه، لكنني لم أعثر عليه. متاهة تكتم الأنفاس وتطوح بالوجوه الأليفة إلى مهاوي الفقد، ووجهها الأسمر الذي يظهر ويختفي فيما تنوس القامة الأبنوسية بمسراتها الظاهرة والباطنة كذؤابة شمعة تستعد للانطفاء. سئمت من وقفتي الحائرة قبالة البحر المالح الغارق في العتمة وقفلت عائدا إلى النور الفاضح. لم أعرف كيف عثرت وأنا أصل إلى الممر الآمن وأتهيأ للعبور كيف رأيتها وهي تنزل من إحدى عربات قطار مهجور. هتفت باسمها فلم تجب، ولاحظت أنها كانت تطرق برأسها وهي تراوح بخطو ثقيل فوق الرمل. اقتربت منها وأنا أتهيأ بكل جسدي للاعتذار عن التأخير، لكنها أمعنت في الإطراق والصمت. لم أعرف كيف توارت بغتة دون أن تترك لي فرصة الاقتراب. عبرت الممر الآمن ثم التفت لأباغت بالعربة وهي تميل بسرعة مخيفة. كان جزؤها الخلفي يسوخ في التراب وفق إيقاع لاح لي مفرطا في الجنائزية. كنت أحدق في العتمة إلى البحر العكر وإلى آثار خطوها فوق الرمل وأنا أعصر دماغي كي أتذكر تلك العلامات والتفاصيل الفارقة. كنت أعلل النفس بأن تنبعث من العتمة وأن نقذف بجسدينا في النور الفاضح، لكن شيئا من ذلك لم يتحقق، واكتفيت بالنظر إلى العربة وهي تسوخ في الرمل دون هوادة.. عدت إلى أسفل الشارع ذي الانحدار القاسي لأقف مبهور الأنفاس قبالة مطعم الجنينة. الساعة تشير إلى التاسعة والنصف وقد استنفدت كل ما في جعبتي من تفاصيل وعلامات كي أعثر على الزقاق. فكرت بحسرة كظيمة في الصوت الدافئ الرفيع والقامة الأبنوسية والعينين الشهويتين والزقاق الذي يتفرع صعودا عن الشارع والذي ينتهي بما يشبه الفراغ الفسيح. فكرت أيضا في الصخب والحمى واشتعال العيون وتلك الرائحة والكلام الذي لا ينتهي. أفاضت هي كثيرا في الحديث عن المنزل بطابقيه ونوافذه الست والأدراج الرخامية ذات الحواف المتآكلة والدرابزين الخشبي المصبوغ باللون الأخضر وشجرة الجميز الضخمة التي تتوسط الباحة الخلفية والسياج الحديدي الذي يحيط بها والذي تآكلت بعض مواضعه بفعل كرور الزمن. زاغت عيني تحت وطأة القهر إلى الوعود والمسرات والجسد العاري المنقوع في عتمة الغرفة. كنا واقـِفـَيْن وجها لوجه لصق الحائط الأملس ويدها البضة الدافئة تجوس في تفاصيل جسدي وتهتك أسراره.. في الغرفة شمس وبحر ونبيذ.. الحوار الذي يدور بيننا في الهاتف يبدأ عادة بسؤال وينتهي بصمت كثيف تعقبه حركة نزقة ترشح بالجفاف. أعرف أنها سوف تغلق السماعة في لحظة بعينها فأتهيأ بكل جسدي للمقاومة العنيفة. يتخللني صوتها الدافئ الرفيع الذي يتحول دون أن أدري بالعلة إلى الحدة، وأترقب وهو ما أتوقعه دائما أن تطلب مني أن أقلص من مساحة السخونة والتهدج في صوتي خصوصا حين تستشرف المكالمة نهايتها المتوقعة في لحظة تختارها هي ودون أن تعير احتجاجي أي اهتمام. ربما الكلام الرتيب والمكرور الذي ألوذ به في كل مرة كي أطيل أمد المكالمة هو الذي يوحي لها بتعمد الجفاف والنزق. هي المرأة الواقعية تكره الأحلام الفجة والحنان الفائض عن الحاجة تضرب الأرض بكعب حذائها حين أمسك بيدها في الشارع العام أو أخوض في حديث يلوح لها فاقدا للمعنى، لكنها تتحول إلى نار حارقة حين تجمعنا الغرفة إياها ونرخي الستارة الحمراء ونشعل الأباجورة. نسيت في غمرة الأصوات التي كانت تتدافع في رأسي وأنا أغادر المخدع الهاتفي الواقع عند تقاطع شارعي المقاومة والمتنبي أن السماء كانت تمطر بغزارة وأنني لم أخبرها بفشلي في العثور على الزقاق والمنزل رغم التفاصيل التي جادت بها. شجرة الجميز الضخمة التي كانت تلوح من الغرفة أشبه بحارس متواطئ كنا نمطرها بالتعليقات الماجنة حين ننتهي من لعبنا الساخن. نقف قرب خصاص النافذة ونأخذ في استراق النظر رغم يقيننا من خلو الجوار من العيون المتربصة بالشهوة وظلالها. لم يتوقف المطر عن السقوط بقسوة سحابة النهار، ورغم جلستي القلقة في الزاوية اليسرى الواقعة في علية مقهى فيكتوريا، ورغم تواطؤ النادل ذي الجسد المدكوك والعينين المتحرشتين بالأشياء والناس، والذي جاد علي مجانا بفنجانين من القهوة السوداء وقارورة من الماء المعدني، فإنني أمعنت في قلقي ورأسي يتردد في إيقاع بندولي بين موقف سيارات الأجرة وعمود الإنارة المقابل لباب المقهى. دخنت سبع سجائر وأتيت على فنجاني القهوة وأنا أترقب أن أرى إليها وهي تدلف كالعادة حين تدق الساعة الواحدة بعد الزوال وتصعد الدرج الحلزوني. أطرب حينها وتتأجج دمائي وأنا أتطلع إلى سمرتها الأبنوسية وعينيها الضاحكتين والغمازتين. سوف أقول لها إنني ألحفت في البحث والسؤال واستدعيت كل التفاصيل، ثم أسقط في يدي. سوف أسألها أيضا عن وجهها الغائب خلف عربة القطار المهجورة والبحر المالح الذي فقد زرقته. كنت أتطلع إلى انعكاس صورتي في زجاج النافذة المقابل للمكتب. شعري أشعث وحمرة خفيفة في بياض العينين لم تنفع النظارتان الطبيتان في حجبها. الساعة تشير إلى الخامسة وخمس وثلاثين دقيقة وقد أتيت بتأثير العزلة والحزن الشرس على زجاجة كاملة من نبيذ بوردو وقرأت سبعا وستين صفحة من رواية ‘ أحمر خفيف’. ركام من الكتب والحاسوب المحمول والهاتف وصورة فوتوغرافية قديمة وجدران أربعة مصبوغة باللون الأبيض وظلال غامضة تنوس في الغرفة. قدرت أنني أسرفت في الحلم والزجاجة تستشرف تمامها والنقر يتوالى والنوافذ تشرع الواحدة تلو الأخرى وبإيقاع جنوني. العنكبوت الرهيب يدفع بخيوطه النارية في كل الاتجاهات. صعودا وهبوطا كرؤيا لا تأويل لها. ولا شيء غير أصدقاء منثورين في الافتراض الفسيح يوزعون الضحك والغضب والصمت والحقد والنميمة وتلك الرسالة القصيرة التي تفجرت مثل ينبوع وسط صحراء مخيفة. رأيت كل شيء في المسافة الفاصلة بين النقرة الأولى وانعكاس صورتي على زجاج النافذة. نزعت نظارتي ثم ألقيت برأسي على مسند المقعد وأنا أغالب التعب الذي كان يتسلل إلى جسدي. طالعتني جارتي الفلامانية العجوز التي جاوزت التسعين وهي تسقي أصص الورد وترفع رأسها بين الفينة والأخرى إلى السماء. ألحفت في النقر وأنا أمني النفس بأن أعثر في الرسالة القصيرة على بقية تدفع بالافتراض إلى الهامش. لم تفعل الصورة اليتيمة التي دفعت بها إلى الفضاء الفسيح بعد ساعات قليلة من جوابي الساخن سوى أن ضاعفت من مساحة الالتباس. أحدهم التقطها في غفلة منها أو ربما فيما يشبه التواطؤ المفترض. لم أعثر في التفاصيل المؤثثة للصورة عما يوحي بانتقال جسدي إلى القاهرة، أو بسمر ليلي في مقهى الفيشاوي كما ادعت في تعليقها القصير. ووحدها تلك النشوة التي تخلقت في التو واللحظة هي التي حملتني على أن أعود إلى النقر بضراوة وكأنني طفل يحفر في الرمل بحثا عن ظل هارب.. فستانها الأسود كان يطل من الصورة ورأسها المطرق وتلك الابتسامة التي كانت ترشح بالنزق والشغب. أعرف أنها لن تتأخر هذا المساء في دق الأرض بكعب حذائها البني حين أخبرها بفشلي في العثور على الزقاق والمنزل وشجرة الجميز والسماء التي توحدت بالبحر المالح عند نقطة لا يراها سوانا. لم أعرف والساعة تشير إلى السادسة والنصف ورأسي يدور بتأثير النبيذ والفراغ إن كان علي أن ألح في النقر على لوحة المفاتيح أو أعترف في خنوع بالخسارة وقسوة الرؤيا.. كانت الساعة تشير إلى الساعة السابعة حين كفت أصابعي عن النقر. قدرت أن للحلم جغرافيا لا أملك خارطتها، ولاحت لي شاشة المحمول كما لو أنها مفازة تعد بالضياع. انتبهت على وقع المطر وهو يخبط بقسوة مصراعي النافذة. كانت جارتي الفلامانية تسحب جسدها صوب الداخل، ففكرت في عنف الزمن واضطراب الأرض من تحت قدمي… ‘ كاتب من المغرب