حول فوز الفيلم المغربي ‘براق’ في واغادوغو:
حسن بنشليخةفاز فيلم ‘براق’ لمحمد مفتكر، بحصان ‘ينينغا’، من ‘المهرجان الافريقي للسينما والتلفزيون’ بواغادوغو (عجبا، مهرجان سينمائي تتنافس فيه الأفلام التلفزيونية). هذا الحصان الفريد من نوعه، كما تخبرنا الأساطير، ينحدر من السلالة النادرة نيابا أووادراغوغو (تخطوا قراءة هذا الاسم لأنه مضيعة للوقت). وعلى ما يبدو فان هذا الحصان طريح الموت السريري وبدأ يستعطف النجاة من كل حدب وصوب. فاستنجد غريق بغريق وغرق الكل عندما تسلم محمد مفتكر الجائزة من يد رئيس الدولة الديكتاتور الملطخة يداه بدماء الأبرياء، عقب انقلابه العسكري الذي اغرق البلاد في القتل والدمار والويلات والخراب، لمدة خمس وعشرين سنة ولا يزال. إن تسلم الجائزة من يد رئيس يحكم واحدة من أفقر بلدان العالم بقبضة النار والحديد هو خرق للمواثيق الاحترافية للفن السابع. وحضور الحفل من طرف مدير المركز السينمائي المغربي نورالدين الصايل يعد التخلف بعينه. لقد سلم محمد مفتكر جسده وروحه إلى طقوس الاغتصاب والعربدة تماما كما هو فيلمه. إنها التمثيلية العجيبة النافعة للأرواح الضعيفة على وشك الغرق. هذا الحصان، كما يلح موقع المهرجان، يقدم كأكبر هدية لأحسن فيلم يعالج ‘الحقائق الافريقية’ (شاهدوا فيلم ‘براق’ وحاولوا أن تعثروا فيه على حقيقة افريقية واحدة). والحقيقة هي أن الفيلم فأر صغير خرج من بين شقوق المركز السينمائي المغربي، وتبناه ولا يستحق أي جائزة. وقبل أن نقدم التهاني إلى السينما المغربية التي بدأ صهيلها ‘يتردد خارج المغرب’ نقدم لكم بعض المختارات عن الحصان ‘ينينغا’. حصان ينينغا شُغف الأفارقة بحصان ‘ينينغا’، وكما تحكي القصص التي تتناقلها الألسن فقد شبهوه بحصان الإسكندر العظيم بوسيفالس، الذي كان كلما جرى انطوت تحت أقدامه الأرض. وعندما مات الحصان بوسيفالس أقام له الإسكندر مدينة سماها بوسيفالا تكريماً له. هكذا يريد ديكتاتور واغادوغو الذي يزأر بالرعد والبرق أن يصنع خرافة يحيي بها أسطورة حصان ينينغا ليخفي بها شوائبه. لكن الحصان ينينغا، مع الأسف الشديد، ضل الطريق وسقط في بئر جافة ليموت مجهولا في بلاد مجهولة وتنتهي قصته في صمت. والحقيقة انه لا يشبه إلا حصان احد المزارعين الذي سقط في بئر كذلك وبدأ بالصهيل الشديد يستعطف النجدة. فقرر المزارع أن يتخلص منه لأنه عجوز ولم يعد ينفع. فالتف طيف من الناس حول المزارع لمساعدته على ردم البئر كي يحل مشكلتين في آن واحد: الأولى التخلص من البئر الجافة حتى لا يسقط فيها حيوان آخر أو بشر، والثانية دفن الحصان حيا. ‘وهرول الجميع بإلقاء الأوساخ والنفايات والأتربة على الحصان داخل البئر عسى أن يتخلصوا منه. وعلى العكس، تلقي السينما المغربية بأوجاعها وأثقالها وأوساخها على حصان ينينغا في واغادوغو عسى أن تنجيه من أعمق آبار المشاكل وإنقاذه من وضعه الحرج وإخراجه من غيبوبته وحل مشكلتين: الأولى أن تُخرج السينما المغربية نفسها من المأزق التي تسببت فيه لنفسها، حيث تُرفض في المهرجانات السينمائية الحقيقية، والثانية نجدة حصان ينينغا العجوز الذي بدأ يستعطف الجميع على الاشتراك في المهرجان ولو بأفلام كرتونية. فالأفلام المغربية ترفض في المهرجانات العالمية المحترمة بعد خضوعها إلى مسألة التقييم والنقد السينمائي والتوصل إلى عدم توفرها على ابسط الشروط اللازمة لعرضها. لهذا تستعطف بدورها المشاركة في مهرجانات تندرج تحت غطاء حقن ثقافة الاعتراف بالجميل والبر بالأقارب والأصدقاء. فمن أسدى لك معروفا اليوم كافئه غدا حتى لو حصل ذلك في بلاد لا تعرف شكل السينما ولا يوجد لديها إنتاج سينمائي ولا توجد فيها قاعة سينمائية واحدة، بل لا تفرق حتى بين هديل الحمام ونهيق الحمير. انه كرنفال بصرخة عميقة وسط سوق النخاسة المدفوع القيمة تعرض فيه الأفلام المجهولة من البلدان المجهولة وتبيع فيه كلاب بول نيزان نفايات الأفكار وكلمة علي بابا التي تفتح مغارة الكنز وتكشف عن حالات الاختلال. انه استعراض يكتفي في نشاطاته بدعوة ‘المؤلفة جيوبهم’ همهم تدليك أقتاب البطون التي اندلقت من كثرة التخمة والتباهي ببذل ‘الارماني’، والتبجح بالسيجار الذي يفوق دخل شهر أو شهرين لأسرة كاملة في واغادوغو. والاستمتاع بالسيارات الفخمة المكيفة المخصصة للطبقة المتسلطة يتجولون فيها من بداية انعقاد الكرنفال إلى نهايته، وعدم الخجل بالنظر إلى الوجوه الشاحبة والأصوات الصارخة للبشر المصطف بالقوة على الأرصفة، الذي يتصارع مع لقمة العيش، من تحت نظارات ‘الرايب بان’ التي انزلقت على أرنبة الأنف ومن وراء نوافذ السيارات المغلقة المحكمة، حتى لا تتسرب إليهم رائحة البؤس والجوع. وعند اختتام كرنفال اللباس واللباقة والسهرات الفاجرة، يصطف الجميع على الحلبة ليخلعوا ملابسهم ويحركوا أذنابهم ويفحصهم الديكتاتور من أخمص القدمين إلى الرأس ويبيض لهم بيضة ذهبية نادرا ما تخرج من مؤخرة الدجاجة. بعدها يمسح كل واحد رأس الآخر ويبتسمون لبعضهم البعض، ويدخل كل واحد قلب الآخر، ويتبادلون الشكر والتهنئة على المجيء والوقوف بجانب الصديق، يتحول معها المشهد السينمائي إلى مناسبة الإبهار والدعاية والاحتفال العام بشرف رئيس الدولة الديكتاتور الذي يقدر ما قدمه له الآخرون من دعم واحترام تماما كما تفعل الزوجة مع زوجها الحبيب المخلص المحب. وتُلتقط الصور التذكارية وتفيض فيه النَّغيَة التي ترمح كحصان ينينغا من مدح وثناء من صنف الرئيس العظيم الذي يشبه جبل كالامنجارو، مفجر الثورة، صانع المجد،’هو الشمس والقمر، هو الوطن والوطن هو، أبولو، الذي يزخر بالشعر والموسيقى وجمال الرجولة، عصارة الحكمة والرؤية، الرفيع الهمة، واسع العطاء، صادق المشاعر، المحب للفن السابع الذي تجمعنا به الصداقة الخالصة والمحبة الغالية ولو على حساب الخزائن الشحيحة! فيا له من ترياق نافع لمهرجان شيد على الرمال، وعلى حافة الانهيار إن لم يكن انهار. هبة، لا يخضع إلا لمعايير الكرم، مزخرف بعرعر الألعاب النارية والرقص ومهرجانات الطعام، يتموج على الولاء والسمع والطاعة في واحدة من البلدان الأكثر فقرا في العالم. إنه الوصفة الفريدة الواقية من لَدْغِ الهَوامِّ بتعبيراتها الظاهرة العينيّة الشكلية والخفية. تلك حال مهرجانات ‘الصبية’ يفتخر فيها الجميع في ‘السر’ بان السطو على كنوز فرعون حلال. فالاهم عند أصحاب العقول الضعيفة تحقيق المصالح الشخصية بمعايير ومقاييس معتمدة أكثر مما تخدم مصلحة الشأن السينمائي. ولن يتجرأ فيلم ‘براق’ أن يقترب من المهرجانات الجادة مثل كان وفنيسيا وبرلين وموسكو والاوسكار، لان من شروطها المنطقية الاحتفاء بالأعمال الإبداعية المتميزة التي تعتبرها وسيلة من وسائل التواصل الثقافي والحضاري ومنطلق التفكير الحر للنهوض بالسينما. كما أن هذه المهرجانات لا تهب العقود والفرص من أجل عملية إثراء سريعة وترفض دخول حلقة الزبونية والاستعطاف للتلويح بالانجاز العظيم والاعتراف بالجميل على حساب ارث السينما. لكنها تفتح الباب على مصراعيه لتتسابق فيه الجهود السينمائية العالمية الفريدة والحقيقية، وكذلك السينما العربية الرصينة من مصرية إلى لبنانية وتونسية وفلسطينية التي تعتني بالهم الاجتماعي والسياسي والوطني، ومن الصعب على السينما غير الناضجة والفجة أن تعثر على مكان لها حتى خارج المسابقة الرسمية! إنها مخصصة للكبار فقط ولا مكان فيها للصغار الذين يهتفون للهبات والابتهالات المرسومة الذي تمليه المصالح الضيقة والعلاقات الشخصية. لهذه الأسباب لا تسمح هذه المهرجانات لـ’الصبية’ بالاقتراب منها قبل أن تفطم. وعندما تفطم ستقف على الحقيقة في يوم من الأيام كما خرجت من فم ‘دلوريس إبروري’، الكاتبة والمتمردة الاسبانية التي قالت مرة ‘من الأفضل أن يموت المرء على قدميه على أن يعيش على ركبتيه’. ناقد ومخرج سينمائي مغربي