خطيب بدلةيوم الخميس العاشر من آذار (مارس) 2011، حدثت معي – أنا أخوكم كاتب هذه الأسطر- مفاجأة سارة، بل وسعيدة، وتدل على أني أمتلك حظاً يفلق الصخر الجلمود، وأنني أمسك التراب بيدي فينقلب ذهباً. ذلك أنني، بمجرد ما جلست أمام التلفزيون، كبستُ زر الروموت كونترول على قناة ‘الجزيرة’، المعروفة بكونها قناة استعمارية، إمبريالية، عولمية، ذات ميول إخونجية، طالبانية، قاعدية، وبكونها قناة فتنجية، شغبجية (أي: محبة لإثارة الفتن والشغب).. وتسعى دائماً لدعم الحثالات الشعبوية المتمردة من السكرجية، والحشاشين، والمسطولين، ومتعاطي حبوب الوشيش، المهلوسين، عديمي الأصل والوجدان، ناكري الجميل، الذين ينسون، أو يتناسون – بفعل العرق والحشيش والحبوب المخدرة – عطاءات قادتهم التاريخيين المستمرة لهم منذ فجر التاريخ، أو منذ حقب تتراوح بين الثلاثين سنة والنصف قرن، وتضحيات هؤلاء القادة في سبيل شعوبهم، فيخرجون في مظاهرات احتجاج، ويطالبون بإسقاط قادتهم، رغم أنهم، أعني هؤلاء المساطيل، يا ما خرجوا في مسيرات تأييد (عفوية) لقادتهم، إذ كانوا يؤيدون قائدهم إذا صمد، وإذا انهزم، وإذا تكتك، وإذا حارب، وإذا سالَم، وإذا صرح، وإذا صمت، وإذا منع الدول الاستعمارية من تفتيش منشآته، وإذا سمح لها بتفتيشها (وتفتيش سرواله على البيعة)، وإذا مرض، وإذا أصيب بالنفخة والغازات، وإذا سعل، وإذا ضَرَط.. فما بالهم اليوم يقفون ضده، ويتسلحون لإسقاطه؟ المهم في الموضوع أنني وجدتُ قناة الجزيرة في هذا الوقت غائبة عن قمر النايل سات، فاستبشرتُ خيراً، وقلت في نفسي إن هذه علامة أولى من علائم انتصار القائد التاريخي معمر القذافي على أعدائه من جماعة تنظيم القاعدة وحلفائهم من الحشاشين، وعلى رأس حربتهم الإعلامية ‘الجزيرة’. واتجهتُ إلى قناة ‘العربية’ ذات التوجه الوسطي، التي اعتادت أن تضرب ضربة على الحافر وضربة على النافر، فتراها مرة مع الأخ القائد، ومع أولاده العباقرة، ومرة مع القاعدة والمساطيل، فوجدتُها هي الأخرى محجوبة، وبقيتُ أقلب من محطة إلى محطة وإذا بي، وجهاً لوجه، أمام قناة الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى التي كانت تبث، في تلك اللحظة التاريخية، لقاء مع مفكر ثوروي فهيم، ذي فكر وقاد، وعقل مستنير، بدليل وقوفه مع الحق المتمثل بالقيادة الحكيمة والشجاعة للأخ القائد، وتفنيده وتسفيهه لمواقف أعداء هذه القيادة، من الحاقدين، والمخربين، والمضللين.. وإشفاقه على عناصر الشعب الليبي ذوي الإرادة الضعيفة الذين انساقوا وراء ترهات قناة ‘الجزيرة’، وأباطيلها، وتخرصاتها، وتقولاتها على القائد، وأسرته الوديعة.
تحية لقناة الجماهيريةوالحقيقة أنني ندمتُ ندماً لا يمكنني أن أبرأ منه، فيما تبقى لي من عمر لأنني كنت، طوال حياتي، أتقاعس عن متابعة هذه المحطة الرهيبة (رهيبة بقوتها، ونزاهتها، وتغليبها لغة العمل الصحافي الأكاديمي على لغة العواطف والدعاية).. وفيها ميزة لا تتمتع بها محطة ‘أرضية’ أو ‘بحرية’ أو ‘فضائية’، وهي أن معد البرنامج، (المذيع)، لا يقل فطنة، وذكاء، ومفهومية، وفكراً، وعلماً، وثقافة عن ضيف البرنامج، فتراه، أعني المذيع، يقدم السؤال للضيف خالصاً، مقشراً، ويتضمن – على الأقل – ثلاثة أرباع الجواب، وحينما يتفضل الضيف بإكمال الفكرة التي بدأها المذيع، ويوسعها ويعمقها، والاسترسال في عرضها، فإن المذيع لا يقف مكتوف اليدين، بل إنه يساعد ضيفه، ويسعفه، حينما يتلعثم، فإذا ذكر الضيف عبارة (الشعب الليبي) يهب المذيع فيقول: الملتف حول قائده التاريخي، ليشكلا، يعني القائد والشعب، شوكة في حلق الاستعمار والصهيونية والرجعية والجماعات الجهادية التي تتربص بثورة الفاتح العظيمة الدوائر، وإذا ذكر الضيف المتمردين سبقه الضيف إلى تعداد مساوئهم وارتباطاتهم المشبوهة بالدوائر الاستعمارية والإمبريالية، ولا ينسيان- كلاهما- طمأنة الشعب الليبي وطمأنتنا من أن النصر المظفر سوف يعقد، في القريب العاجل، للحق والعدل.. إلخ.
دمعة محروقة ولعل أكثر ما عَمَّقَ حالة الندم عندي هو الخبر الذي نقلته هذه القناة الفظيعة (فظيعة في مقارعة الأعداء)، بالبنط العريض، وينص على أن الرئيس السيراليوني إرنست باي كوروما، والرئيس التشادي إدريس ديبي، ورئيس زمبابوي روبيرت موجابي، والرئيس الموريتاني المناضل محمد ولد عبد العزيز، اتصلوا بالأخ القائد معمر القذافي، واطمأنوا على صحتيه البدنية والنفسية الغاليتين على قلوب الشعوب والقادة في تلك البلاد، وأبدوا دعمهم اللامحدود له، في وقفته الجبارة في وجه المتآمرين والحشاشين!
والحقيقة أن أكثر ما حز في نفسي وآلمني هو الخيبات المتتالية التي يتعرض لها الرئيس الموريتاني المناضل محمد ولد عبد العزيز، فالرجل، وهذه شهادة لله خالصة، لا يقصر في التأييد والشجب والاستنكار، أو- كما يقولون عندنا في الشام – (يَدُهُ والتأييد)، ويقولون أيضاً (لا يعرف في التأييد عينه، وما عنده في الشجب عَمًَّك خالَك)، فلقد سارع قبل حوالي الشهرين إلى تأييد القائد المناضل زين العابدين بن علي، وحينما قام الملايين من الغوغاء في مصر للمطالبة بإسقاط الرئيس المفدى محمد حسني مبارك سارع إلى تأييده، والآن يهب، بشهامة – لتأييد الأخ القائد القذافي!
لقد آلمني موقف الرجل، ولولا أن دمعتي محروقة منذ سنة 2003، حزناً على القائد التاريخي الملهم صدام حسين الذي انتخبه شعبُهُ بنسبة مئة بالمئة، ثم تبين أن هذا الشعب لم يكن صادقاً، بدليل أن قلة قليلة منهم حزنت عليه، لكنتُ بكيت على خيبة الرئيس محمد ولد عبد العزيز.. وكل ما أخشاه، وأظن أن الإخوة القراء سيشاركونني هذه الخشية، أن تتمكن المؤامرة العالمية التي تقودها أوروبا، وتؤيدها دول التعاون الخليجي، والشعوب العربية (المُضَلَّلة) المؤيدة للمشاغبين الليبيين، من إسقاط نظام معمر القذافي، مثلاً، فيقوم الأخ المناضل التاريخي الرئيس اليمني عبد الله الصالح بإرسال برقية عاجلة إلى رئيس موريتانيا يقول له فيها: إذا سمحت لا تؤيدني، وحلّ عني، أنا مو ناقصني تأييدك المنحوس الذي أودى بثلاثة قادة تاريخيين قبلي.
يا هلا بالساعديمع أن اسم نجل القائد التاريخي المدعو (الساعدي القذافي) يوحي بالقوة البدنية، باعتبار أنه مشتق من (الساعد)، وأنه يصلح للمساعدة، والدعم اللوجستي، والمقارعة، والطحش، إلا أن تصريحه الذي نقلته قناة العربية قبل أيام يدل على تفكير حصيف، وعقل كبير – الله يحميه – ورأي نَيِّر، والرأي، كما يقول الشاعر قبل شجاعة الشجعان، هو أولاً وهي المحل الثاني، ومقدرة على التحليل، والتفنيد، والعرض، وبسط الأفكار، ومناقشتها بموضوعية، ثم يأتي بالنتيجة، سريعة، وخاطفة مثل طلقة البندقية، وما علينا نحن الجماهير (الغلابا) إلا أن نتلقفها، أعني النتيجة، ونقتبسها، ونقلبها- مثل أهل الكهف وكلبهم- ذات اليمين وذات الشمال، ثم نتخذ منها شعاراً استراتيجياً، ولا بأس من أن نكتبها على لافتات عريضة، ونخرج بها في الشوارع، أمام كاميرا القناة الفضائية الجماهيرية، لتقوم هذه القناة المشهود لها بالمهنية والحرفية، بنقل مسيرتنا العفوية لتراها الملايين في خمس قارات الأرض، إضافة إلى شبه قارة أستراليا.
قال الساعدي بالحرف الواحد: إذا تنحى القذافي ستقتتل القبائل الليبية في ما بينها.
وهو غير معني بشرح أسباب هذا الاقتتال المحتمل، لثقته أننا، نحن المشاهدين، ورغم محدودية عقولنا، سنستنتج السبب الرئيسي، وهو أن كل قبيلة، بعد سقوط القذافي، ستتهم القبيلة الأخرى بأنها قصرت في حب القائد، وفي دعمه، وتأييده، ومثلما تحصل المشاجرات العادية بين الناس: من هذه القبيلة كلمة، ومن تلك القبيلة كلمة، وإذا بالمعركة تحتدم، والدم يجر الدم، والندم يجر الندم.. ولكن.. ليت الندم ينفع.. وهيهات أن ينفع!
كاتب وقاص من سورية