شوارع وجسور … والطرق ما زالت مغلقة

حجم الخط
0

رحاب أبو هوشرأزمات المجتمعات العربية متعددة، وجوهرية في صلب بنيتها، ورغم التفاوت النسبي في ظروف كل منها، ووجود بعض الخصوصيات في نشأتها وتركيبتها، إلا أنها جميعها خضعت، ولعقود متتالية للاستعمار الأجنبي، كما عاش بعضها حقبا من الحروب الأهلية تارة، والنزاعات القبلية الثأرية تارة أخرى. مما جعل منها بمجملها، مجتمعات ذات بنية تخلف تراكمي، على المستوى المعرفي والعلمي، ناهيك عن التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهو ما أعاق نمو الوعي بالحياة المدنية وممارسة تجلياتها، وهمّشَ مفردة الحرية الانسانية في القاموس السياسي والاجتماعي للشعوب والأنظمة السياسية معا. وكان كل ذلك يستدعي برنامج تنمية مكثفاً ومبرمجاً، لدى تأسيس ما يعرف بالدولة العربية الحديثة، لإعادة بناء هذه المجتمعات.

التنمية الحقيقية كانت تستوجب العمل على الإنسان للمساهمة في بناء مجتمع حديث، يقوم على الإيمان بالحرية والتعددية، والعمل المنتج المبدع والمعرفة الإنسانية، وأن يكون شريكا أساسيا في الحياة السياسية، وتهيئة الإمكانيات المادية والمناخات الاجتماعية والثقافية لصقل شخصيته وتطويرها، للانتقال به من ذهنية التخلف وما أفرزته من مفاهيم ومسلكيات بدائية تتعارض كليا، مع مفهوم الدولة المدنية، وأسس العيش المشترك بين المواطنين، مهما كانت انتماءاتهم وهوياتهم الفرعية، الدينية والمذهبية، وأيا كانت أصولهم القبلية.

بينما كانت كتائب الأمن التابعة للسفاح ‘ القذافي’ تمارس جرائمها ضد شعب أعزل، يطالب بالحرية وإنهاء الظلم والاستبداد، كانت القناة الليبية الرسمية، تبث برنامجا عن إنجازات ‘ القائد’ في ليبيا! مع بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، لم يجد نظام الدكتاتور الدموي ما يفاخر به من منجزات، وهو الحاكم لليبيا منذ اثنين وأربعين عاما، الدولة الغنية بالبترول والثروات الطبيعية، إلا شبكة الطرق، الشوارع والجسور والإشارات الضوئية، التي كما كان المعلق في البرنامج يتغنى بها حرفيا: يمكن للسيارات أن تسير عليها بسهولة وراحة، كما يمكن حتى لهواة الدراجات النارية استعمالها!

ربما هو نموذج صارخ في فجائعيته لحال التنمية والبناء في البلدان العربية، إلا أنه لا يخرج عن منظومة التنمية الشكلية التي تبنتها معظم الأنظمة والحكومات العربية طوال العقود الماضية. أنظمة الاستبداد، اتجهت بخططها نحو خداع شعوبها، وإيهامها بجدية مسعاها نحو التنمية، لكنها لم تدرك أن رصيد الدول الحديثة من المنجزات لا يمكن أن يكون شبكة طرق حديثة، ومشاريع بنية تحتية، وغيرها من خدمات عامة أساسية، بل ما يجعل لإنجازاتها أثرا وصدى هو مستوى الإنسان الذي ‘تنتجه’، ومقدار ما تستثمره فيه من علم ومعرفة، وقدرة على العمل والإنتاج، والتفكير والإبداع، ووعي وثقافة وانحياز للحداثة، بوصف كل ذلك منجزاً إنسانياً متكاملا ً، تأسس بداية على قرار سياسي، باستبدال وعي التخلف وعلاقاته، أي علاقات المجتمع ما قبل الدولة، إلى علاقة مواطنين بدولة.

وأنظمة الاستبداد هي ذاتها من حارب مشروع التنمية الحقيقية، فهي لم تهادن فقط البنى الاجتماعية المقاومة للتحديث، بل حافظت عليها وشجعتها، وأقامت معها التحالفات. لم تعبأ تلك الأنظمة يوما بتنمية حقيقية، تتصادم موضوعيا مع وجودها. كانت تصر على إقصاء الشعب عن أي تنمية حقيقية، بنزعة استبدادها وانتمائها لعقلية الحكم المطلق، واقتصرت على ادعاءات التحديث والتمدن والتي لم تزد عن بناء الشوارع والجسور والأنفاق، والبنايات الشاهقة والفنادق، وفق أحدث التصاميم العمرانية، وأجود المواصفات، قاعات للمحاضرات والندوات، دور سينما ومسارح، لا يهم إن كان لها رواد أم لا، ولا يهم كذلك انتهاك حرية التفكير والإبداع والتعبير، ووأد أي نشاط مدني، المهم أن لدينا تلك الأبنية التي تضاهي أي بلد حديث آخر!

هياكل جوفاء مهجورة، يمكن للطيور أن تبني فيها أعشاشا وحسب.

محاكاة شكلية مفرغة من أي مضمون حقيقي يشكل أثرا أو فارقا في صياغة الإنسان، لما أنتجته المدنية الحديثة من فكر وإبداع وثقافة وعلوم وإنجازات، وبقيت الشعوب تصارع عجزها عن ردم الهوة الفاصلة بين ذهنيتها المقيمة في منطقة إرث التخلف، وما تتلقفه يوميا من منتجات المعرفة والفكر الحديث، منتجات لا تربطها بها إلا علاقة الاستهلاك، تخرجها أيضا من دائرة المنجز الإنساني.

وعندما تبرر تلك الدكتاتوريات، عدم ديمقراطيتها ومصادرتها للحريات، وإعاقتها لبناء الإنسان الحديث ودولته المدنية، بعدم أهلية الشعوب، وتصفها بالقاصرة، فإنها توجه الإهانة لشعوب لا تقل مطالبها مشروعية عن سواها من شعوب العالم بتنمية حقيقية تحقق طموحاتها في حياة إنسانية حرة وكريمة، كما أنها تتجاهل عجزها، بل عدم رغبتها طوال عقود، في تأهيل وإعداد شعوب، تقول عنها اليوم أنها ما زالت قاصرة، ولم تحقق شرط الممارسة الديمقراطية الكاملة.

مأزق تلك الأنظمة اليوم، أن قرارها بالتحايل على مطلب الشعوب بتنمية حقيقية، خلق فجوة بينها وبين شعوبها، التي قطعت أشواطا في إدراكها لمطالبها الإنسانية المشروعة، في غفلة على ما يبدو من تلك الأنظمة، التي اطمأنت طويلا لقدرتها على لجم الإرادة الشعبية وقمعها فقط. اليوم تولت الشعوب زمام أمرها بيدها، لتكشف عن وعي حاد بمتطلبات البناء الحقيقي للإنسان، وأولها الحرية.’ كاتبة من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية