عن عصر الثورة العربية وإعادة الاعتبار للواقع

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل

للبدايات الجديدة شعورٌ رائع.. خفةٌ مدهشة تشيع في الروح بهجةً وتفاؤلاً كمن أزاح عن صدره ثقلاً خانقاً.. كذلك حال الشعب المصري وبقية الشعوب العربية التي تصنع ثوراتها الآن، وهي لا تسعى إلى إزاحة ثقلٍ عادي وإنما جبال من القمع والبطش وكوابيس سوداء احتلت مخيلتها وذاكرتها لعهودٍ تفوق الحصر.

الآن، وفي خضم الفوران، تراقب الأحداث وتنظر وراءك إلى الماضي، إلى سنوات التردي والاضمحلال، فلا تملك سوى أن تسأل نفسك: ما الذي فجر هذه الثورات الآن ولماذا تأخرت طويلاً فلم تحدث من قبل؟

إن محاولة الإجابة على هذه الأسئلة التي قد تبدو بسيطة وبديهية من الواقع المصري (بما يحمله من تأثير وانعكاس على الواقع العربي) يقودنا لا محالة إلى تعقيدات هذا الواقع، بكل ما تحتمل الكلمة من بنية النظام وآلياته الفكرية في تحليلٍ وتشريحٍ لطبيعة المرحلة.

الركود.. هذه هي الكلمة – المفتاحسنوات مبارك كانت سنوات الركود والجمود الأسطوري؛ مبارك الرجل البليد القاسي، منعدم الرؤية، بلا طموح سوى في البقاء، فاقد الإيمان بشعبه وأمته والمعرفة بقيمة وطنه وقامته، مبارك الذي لا يعرف معنى الإنسان والمواطن ولا يكترث بإهدار كرامة مواطنيه ولم نعرف عنه أنه ذرف دمعة واحدة على زهرة شبابهم، الذين يموتون صرعى على الطرقات وتحت صخور العشوائيات وغرقى في البحار، بل على العكس ما فتئ يعير شعبه بتكاثرهم كالأرانب.

ذلك الرجل – العقبة أوقف قاطرة هذا الكيان الضخم المسمى مصر (وبقية الدول العربية من ورائه) محلك سر، كالثور يدور في ساقية.

أراد الديمومة له ولحاشيته ولنظامه فلم يهده عقله المظلم ومستشاروه سوى لمحاولةٍ دؤوب لإيقاف الزمن، ومن الإنصاف الاعتراف بأنه لوهلة بدا كما لو أنه نجح، ولئن تميز الرجل بدمويةٍ وقسوةٍ وانعدام ٍ مطلق ٍللرحمة لم تكن لسابقيه، فإنه لم يتحلَ بصداميتهما وجرأتهما… هو لا يجابه بل يجمد الصراعات على السطح، مما أسهم في ترسيخ الجمود وأجواء المستنقع التي صبغت عصره. لكن شعباً يدور في ساقية العبث عرضة لأن يتسرب اليأس إلى نفسه، كما أن الأمر لا يخلو من احتمال الغضب مهما كان الشعب مسالماً، لذا لجأ إلى ماكينة بطشٍ رهيبة لم يفتضح حجمها المهول ومدى تغولها وتغلغلها في شتى مناحي الحياة إلا بعد سقوطه، والأهم من ذلك لزمت السيطرة على أفكار ومخيلة هذا الشعب ووضع الغمامة على عينيه للجمه فكرياً. لقد تصدى هذا النظام الكسول بنشاط وهمة مدهشين لتجنيد كل الأقلام والأصوات الرجعية والتغيبية لتبث عبر مختلف وسائل الإعلام الحكومية التي تدعي الاستقلالية، وبصورةٍ ممنهجة ورتيبة، كل نظريات الجمود والسمع والطاعة والوعيد لمن عصى وخرج على السلطان؛ ليس ذلك وحسب إنما استثمر في إفساد وتحطيم كل منظومة القيم الإيجابية والاستقامة المتوارثة عبر القرون، مثل الصدق والوفاء وثقافة العمل والتفاؤل والاعتصام والعمل الجماعي، ومكن لكل القيم السلبية، مثل الغش والخداع والفهلوة حتى اعتبر الإفلات من القانون والتهرب منه قمة الذكاء والكفاءة، وهي كلها كما ترون مما يتواءم مع روح الكسب السريع والنهب الذي مثل السمة المميزة والأساس الاقتصادي لعصر مبارك، وإننا لا نتجاوز ولا نبالغ إذا أكدنا أن مبارك وبطانته شفطوا ثروات البلد إلى الخارج وضخوا بدلاً منها فقراً وقمعاً ويأساً، حتى تمكنت من البلد حالة من الكآبة والبلادة التي تدهش أي وافد عليها.

خطوة واحدة إلى الوراء كانت كل ما يحتاجه أي مراقبٍ يتوفر لديه أدنى قدر من ملكة النقد ليتيقن من استحالة استمرار الوضع على ما كان عليه؛ نظرة واحدة طويلة ومتأنية إلى البلد المتهالك المرافق والمرهق السكان، تكفي لأن يدرك أن كلمة ‘صارخة’ لم تعد تفي بالقصد لوصف حجم التناقضات التي تنهش جسد المجتمع على كل المستويات، ما بين قلة مستفيدة وعشرات الملايين من المعدمين الذين يدوسون على بعضهم البعض بوحشية من يصارع للبقاء، بالإضافة إلى التناقض بين الواقع المادي البائس والمهين والإعلام المبهرج السفيه واهتمامات الناس التي لا تتعاطى مع الواقع بموضوعية.

واقعنا مزر ونعيش في الأوهام، وبدلاً من مجابهة هذا الجحيم الأرضي من الفقر والقمع يهرب الناس إلى كرة القدم والفتن الطائفية والمسلسلات السخيفة عن المترفين في القصور وخلافات بيزنطية عقيمة عن مواضيع بائدة، كآداب دخول المرحاض وإرضاع الكبير والفوارق بين أنواع الزواج المختلفة.

إلا أن الجدل والصراع بين تناقضات الواقع المحتدمة ومنظومة القمع لا بد أن ينفجر إن آجلاً أو عاجلاً، هذا هو درس التاريخ. لقد شاهدنا بأنفسنا كيف فشلت تركيبة الأفكار المنحطة المدعومة بقبضة البطش من السيطرة على هذا الواقع الممزق لمجتمعٍ آخذٍ في التحلل.

لقد فشل النظام المصري لجهله وصلفه في فهم حقيقة جوهرية أساسية ألا وهي أن الإنسان بطبعه كائنٌ متمرد، مهما تفاوتت درجة خنوعه ومرونته… في ظرفٍ تاريخيٍ معين وتحت سطوة مؤثرات ثقافيةٍ معينة قد تتأخر ثورته، إلا أن جماهير المعدمين ثائرةٌ لا محالة أمام مشروع إبادةٍ جماعية كالذي كان لمبارك، وما هذه الثورة إلا جزءٌ لا يتجزأ من غريزة البقاء، كما يبدو مؤكداً أن مثقفي السلطة الذين استعذبوا الأكل على موائد الطغاة قصروا في دورهم المتواطئ المشبوه، إذ لم يلقنوا أسيادهم طبيعة الجدل الاجتماعي ودرسه الأهم: أن القمع والضغط لا يلغي التناقضات وإنما يؤجل حلها وتخطيها، وكلما زادت التناقضات حدةً تضخمت منظومة الأمن إلى أن تصل إلى مرحلةٍ تسقط فيها تحت ثقلها المترهل والصراعات الداخلية بين أجهزتها المختلفة والمتناحرة. نسأل أنفسنا: ما هي الثورة؟

إنها وثبةٌ اجتماعية، نقطةٌ فاصلةٌ في التاريخ يفرض فيها الواقع بؤسه وقسوته على الناس ليشرق في رؤوسهم وعياً متوهجاً بحتمية التغير عبر إحداث قطيعة مع الماضي.

لقد هربت شعوبنا وبصورة شبه جماعية من الواقع إلى الأوهام والتسليم الأعمى، ولكن الواقع لاحق هذه الشعوب؛ لقد دحضت الثورات العربية كل نظريات الجمود والتأجيل وترحيل الانتصاف للمظالم والآلام إلى أجلٍ غيرمعلومٍ وغير مسمى، فإذا بنا الآن أمام شعوبٍ تطالب بإلحاحٍ صاخبٍ بالقصاص العادل الشافي العاجل لكل الطغاة والجناة. أجل لكل بلدٍ خصوصية نابعة من ظروفه التاريخية والجغرافية، إلا أن الإنسان العربي جزءٌ من الإنسانية وتسري عليه قوانين التطور التاريخي مثله مثل غيره من البشر، وفي عصر الثورات المجيدة لم يعد مقبولاً الحديث عن الصيرورة المختلفة والطبيعة المغايرة للإنسان العربي.

لعل أحد أهم مكاسب الثورات العربية يكمن في إعادة الاعتبار للواقع؛ قد نجهد أنفسنا جدلاً ونقاشاً حول نسبية الواقع ونظريات التعويض وفوائد الصبر، إلا ان ذلك لا يقلل من قسوته وقبحه ولا من كون واقعنا العربي جسداً من الدم والنار، مؤلماً أبداً.

لقد عادت مصر والدول العربية الثائرة إلى التاريخ وحركته بعد طول ركود وغيبوبة. استيقظت تتأمل ما أوصلها إليه الزبانية من خرابٍ؛ تئن من جراحها وتبكي الشهداء من أبنائها. واجبنا الآن هو ترسيخ الوعي بأولية الواقع وحتمية التعامل معه مهما كان كريهاً وقبيحاً. لا بد من بث الروح في مشروع النهضة العربي العقلاني بعد أن تعطل وتراكم عليه الغبار عن طريق مشروع جادٍ وشامل لإعادة تقييم ونقد العقود السابقة يحذوه تصميمٌ لا يلين على استحالة العودة إلى الوراء.’ كاتب في صحيفة ‘الدستور’ المصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية