فراس سليمان الآندخلنا في هذا الهائل الحاصل ولأننا كناجبناء، لأننا أجبرنا على أن نكون جبناء، لأنه تم تغييبنا، لأننا غيّبنا أنفسنا.. لأننا لم نستطع شيئاً سوى تسويغ هروبنا لأنهم ـ الطغاة – تغوّلوا على منصاتصمتنا، الآن ندخل في هذا الهائل الحاصل، الآن ينبغي أن ندخل في هذاالهائل، الآن على الأقل ينبغي أن نتوقف عن تضييع أنفسنا.. أن نتقدّم في العودة إلىأشيائنا.. أحلامنا.. أننذهب خفافاً وحقيقيين إلى صورتناالجديدة. فما نريده بسيط وصغير، وطن حقيقي. مقابل ما كانوا يريدونه، وما زالوايريدونه، وطن على شكل مزرعة. الآن أيها الوطن ينبغي أن نمسح الغبار عن قلبك.. شحومَ الشعارات العتيقة عن صوتك.. فكثير صداك أمام.. وراء الحلم.. وكثيرة ريحك في الممرات إلى المستقبل.. وصعبة أبوابك حين الأياديتحترق على ملمس المفاتيح.
الآن سأتحدّث عن نفسي عن ذلك الجيل.. هذا الجيلالذي تجاوز الأربعين بقليل أو كثير، سأتحدث نيابة عمّن أعرفهم أو عمّنأخال أني أعرفهم أو أعرف مخاوفهم، حين أصحاب المزرعة / الوطنجنّدوا حراسهم ليدجّنوا كل شيء.. ليكسروا عظام وأحلام البريين المختلفينلتبقى المزرعة نظيفة إلا من روث التنميط، الشعار الواحد.. القائد الواحد.. الحزب الواحد، إلا منهم ومن أشباه طيوفهم.. إلا من الخضوع، يعرف منيعرف أن الخضوع هو الوحيد المقبول تلونه وتنوعه، وأنه من المستحيل أن ندخلإلى كينونتنا حين أصحاب المزرعة يفتحون الأبواب ويغلقونها متى يشاؤون.
قلتسأتحدث عنّا نحن الخائفين المترددين، عنحقنا بأن نتوقف عن الخوف، عن حقنا في الفرح بخوف ورعب الطغاة، عمّـا لمنفعله وما لم نستطع فعله، عن موقفنا الآن والآن تحديداً بأن لا نكرر خطاباًمهترئاً كرسته السلطة على مدى عقود بأن لا مستقبل للبلد من دونها وأن العنفالذي حدث ويحدث أكثر رحمة من العنف القادم، وأنه علينا أن نصفّق لها وهيتلغي إنسانيتنا بذريعة الاستقرار- استقرارها، أن نرضى باللامواطنة من أجل الوطن الذي يناسب ديمومتها.
أتحدثعنا نحن الذين صمتنا كثيراً، الذينأرادونا مقهورين عصابيين حاقدين على بعضنا ضعفاء عاجزين أن نزيح هذه (الـنعم)الثقيلة على أرواحنا وحياتنا. أتحدث عن ضرورة تفكيك الهويات الضيقةالسيئة التي يُراد لنا نحشر فيها، بأننكون طائفيين قبليين ليحموا الوطن منا، داعمين مرددين لخطابهم لأن لا ملمح للوطن دون صورتهم، فنحن في نظرهم مجردرعايا قاصرين غير مؤهلين للحرية، موتى يتنفسون.
نعمنحن موتى لأننا نتنفس هواء فاسداً ولانستحق العدالة إذا رضينا بعدالة على قياس فارضيها، فاسدون لأننا سكتنا عنالفساد، عجزة أمام صلف قوة عملت على إلغائنا.
أعرفأن معضلتنا الحقيقية هي الجبن / الحذر، هلأتوخى الدقة؟ معضلتنا أننا من سورية. حيث الخط أحمر على فكرتنا علىتحركنا على اتصالنا.. على تجمعنا على رغائبنا، أحمر مسروق من دم من ضحّى.. منحلمَ يوماً ببلاد أفضل وأجمل.
منحقنا ألاّ نرتجف ونحن نكتب ألاّ نلتفتمذعورين ونحن نتكلم.. أن نزيح صورة ذاك الذي وراء مكتب ما في فرع ما يتنصت علىأصواتنا عبر الهاتف من حقنا ألاّ نراقب أنفسنا كمشبوهين كلما دخلنادائرة حكومية ألاّ ترتعد فرائصنا في المطار وأمام الشرطي ورجل الأمن ألاّنهان ونسجن إذا ما أحببنا بلدنا بطريقة مختلفة، من حقنا أشياء كثيرةوكثيرة جداً لنشعر بمواطنتنا.. بإنسانيتنا.. من حقنا أن نكون، ونعرف أننالن نكون ونحن خائفون.. لن نكون خارج شرط الحرية. بالتأكيد، هذا ليس بياناً سياسياً، إنه مجرد اعترافمتأخر لشخص عاطل عن الوطن بسببهم.. لشخص أرعبته السلطات على كافة أشكالهافانتبذها بعيداً، لشخص يرعبه البشر الذين شوهتهم السلطة.. لشخص منأقاصي يأسه يأمل.. يحلم بوطنٍ / إنسان.’ شاعر من سورية