لباس المرجلة لا يشتري المراجل

حجم الخط
0

لولا أن للملابس قيمة في إظهار شخصية الإنسان لما فرضها الله علينا، أولا سترا لفاحشة العري وإعلاء لمضمون الإنسانية الذي يركز على الروح والعقل أكثر من جماليات الجسد الظاهرة، ومن هنا فرض الله اللباس الساتر على الرجال والحجاب على النساء، حتى تتقدم مواصفات الإنسان وتتراجع الغرائز فلا تُقضى الا في محيط يكفل حفظها والعناية بها. ولقد حرص الإسلام على هيئة الملابس ودعا الى أن تكون وسطا لا إسرافا يؤدي الى الكِبر ولا تقتيرا يؤدي الى النفور، وجاء في الحديث ‘ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ، ‘لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ’ .ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين الى أن يهذبوا مظهرهم ويعتنوا بالنظافة والرائحة الطيبة، وبمقابل ذلك شدد الإسلام في النهي عن لباس الفخر والخيلاء لأثره السلبي على شعور النفس بالاستعلاء فجاء في الحديث ‘من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة’، وضرب المثل في حديث آخر فقال ‘بينما رجل يمشي في حُلة إزارٍ ورداء تعجبه نفسه، مرجلا رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة’ كما حرم على الرجال لبس الحرير والذهب حتى لا يذهب التنعم والرفاهية بصفات الرجولة بل إن تاريخنا يضرب لنا مثلا كيف كادت الملابس تطيح بالخليفة الفاروق عمر بن الخطاب في قصة الأثواب التي جاءته فوزع لكل المسلمين قطعة واحدة وأخذ مثلهم، ولكن ثوبه لم يكفه إذ كان له بسطة في الجسم فأعطاه ابنه عبد الله ثوبه ليكمل قصر ثوبه ويصله مع قطعته، فلما خرج عمر الى الرعية خاطبا أن اسمعوا وأطيعوا، نهض إليه أحد المسلمين فقال لا سمع ولا طاعة وبين السبب بأن أثواب المسلمين لم تكفهم بينما استأثر عمر بثوب طويل دونهم، فنادى عمر على ابنه عبد الله فوضح لهم قصة ثوب أبيه فعادت الثقة والطاعة بين الخليفة والرعية الى سابق عهدها، وقصة الثوب هذه دلالة على العلاقة بين الحاكم والمحكومين والمحاسبة التي تبقي الحاكم ورعا متيقظا يفطن لحساب الله أولا ثم لحساب الناس. لباس عمر المتواضع ذاته كان من أسباب تسليم مفاتيح بيت المقدس في بعض الروايات التي تقول ان بطرك القدس صفرونيوس رفض أن يسلم مفاتيحها الا بعد أن تأكد من وصف عمر كما ورد في كتابهم ‘هامة عالية وثوب مرقع’ والسيرة تحفل بأمثلة كان اللباس فيها أكثر من رمز وستر، بل مصدرا للقوة والعزة بالله يزينه تواضع الإنسان أمام ربه وذلته من الرحمة للمؤمنين، وها هو الشاب الأنيق الوسيم العبق الرائحة المرتب الهندام مصعب بن عمير يترك ملابس الشهرة وطيش الشباب ليلبس ملابس أول سفير في الإسلام وما خلعها حتى تكفن بها شهيدا يوم أحد، تمد على رجليه فيظهر رأسه وتمد على رأسه فتظهر رجلاه، باع الأولى ليشتري الآخرة، وضحى برغد الثياب طمعا في أن يكسيه الله يوم القيامة برحمته وبقبوله لأعماله قميصا أخبر عنه الرسول فقال ‘رأيتني يوم القيامة والناس تعرض علي وعليهم قمص فمنهم من يبلغ القميص ثدييه ومنهم ما دون ذلك ورأيت عمر يأتي وهو يجر قميصة، والقميص هو الدين’. وما زالت الثياب في الطبقات العليا رموزا حتى في عصرنا هذا الا أنها غدت مظهرا خارجيا للترف والمباهاة والسخف أحيانا كثيرة فها هو القذافي يبتدع خطا فريدا من الموضة ولكن هذا الخط لم يكسبه إحترام الناس ولم تتحول أعينهم إليه الا سخرية أو ازدراء، ولم تغن عنه الميداليات والنياشين شيئا في إثبات رجولته التي طارت مع أول طائرة استخدمها لقصف وقتل شعبه! وصدق الشاعر: إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى تقلب عريانا وان كان كاسيا أما حسني مبارك وبدلاته التي تحمل اسمه فلم تحل دون إجماع الشعب على طرده من منصبه شر طردة أمام أعين العالم ومحاسبته وأهله كالمجرمين. وكذلك ما نسمعه عن رغد المعيشة والتطور في السويد لم يحمِ ملكها كارل غوستاف من الإصابة بعقدة النرجسية وحب الظهور وطلب الاهتمام aention seeker المتمثلة بالقبعات الغريبة التي يرتديها، الى المناسبات الرسمية وهي تناسب مقام الأطفال ولهوهم لا مقام الملوك وجِدهم! ويبدو أن مرض حب الظهور واستعراض العضلات مرض معدٍ ينتشر غربا وشرقا، فها هو أحد السياسيين في بلدنا يظهر علينا تحت قبة أكبر المؤسسات التشريعية وهو يرتدي لباسا شريفا، لا يرتديه الا شرفاء وأبطال الجيش، وذلك بعد محنة مر بها بلدنا وهو يقصد من لباسه التهديد لأبناء الوطن وإثارة الفتنة بشكل تجعله لا يختلف عمن حملوا السكاكين والعصي في الشوارع. والإدانة لما فعله بالإساءة الى رمزية لباس الجيش ودرع الوطن وحامي أبنائه لا تكفي، بل يجب على محامي الأردن الشرفاء مقاضته حتى تبقى الرموز محمية ويبقى جيش الأردن عالي الهامة فوق الشبهات والاستهداف من الجاهلين. د. ديمة طارق طهبوب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية