مراجعات الزمر وهرطقات العقيد

حجم الخط
0

عمر بودربالة في لقاء متلفز بثته بي بي سي العربي مع عبود الزمر القيادي في الجماعة الاسلامية بدا الرجل اكثر انفتاحا وتفهما للمتغيرات السياسية والاجتماعية لمصر، ففترة السجن الطويلة التي ناهزت الثلاثة عقود لم تمنع الرجل من ان يكون مطلعا على تفاصيل الحياة السياسية والحراك الاجتماعي بالبلد. واثناء بث اللقاء فاجأنا العقيد القذافي باطلالة اعلامية ثقيلة الظل، مع حفنة من المأجورين الذي يدعي نظام باب العزيزية انهم يمثلون مختلف الشرائح والجهات في ليبيا. لم يأت خطاب العقيد بجديد، اذ اكد مرة اخرى ان مجموعة من المهلوسين والمأجورين خرجت عن النظام، وستتم اعادتهم سريعا الى لواء الطاعة وجادة الصواب.. وبين خطابي الزمر والقذافي تقاذفتني جملة من الاسئلة والافكار الحائرة، ايهما كان مسجونا معزولا؟ من كان مقصيا في اقبية السجون ثلاثة عقود، ومن كان الحاكم المطلق لاربعة عقود؟ الزمر ام القذافي؟

الغريب ان خطاب الزمر كان تصالحيا وواقعيا، رغم ما كان يوصف به الرجل من تشدد، تغير العالم فتغير معه الزمر بعد مراجعات مكثفة واجتهادات ثورية غير مسبوقة في فكر الجماعات السلفية. في حين كان خطاب القذافي حادا وصادما لكثيرين، خطاب بعيد كل البعد عن الواقع الفظيع والمرعب، اشكالية العقيد انه لم يستوعب التطورات المتسارعة من حوله، واعتقد ان باعلانه قيام سلطة الشعب في الثاني من آذار/مارس سنة 1977 قد تخلص من اشكالية المطالب السياسية التي قد ينادي بها شعبه في يوم ما.

هذه التعويذة السحرية او بالاصح هذه الحذلقة السياسية لم تق عرش القذافي من الاهتزاز، فواقع الحال يشير الى ان القذافي اخرج ليبيا من طور الدولة الى عصر المزرعة، حيث ينهي ويحكم هو وابناؤه واتباعه من دون حسيب او رقيب.

اربعة عقود مارس فيها القذافي سياسته المفضلة الا وهي غسيل الادمغة وتجهيل الشعب، اربعة عقود من غياب الدولة والنظام، هو القائد الابدي وسلامته من سلامة الوطن، اضافة الى استنزافه موارد الدولة بمغامرات طائشة امتدت من الفلبين الى امريكا اللاتينية ليدفع الشعب الليبي ثمنها غاليا، اربعين عاما من التخلف والفوضى كبلت طموحات وآمال شعب قدم ارقى اشكال النضال ضد المستعمر في القرن العشرين.

يحاول عبود الزمر ان يكون اكثر قربا وتفهما لواقعه الجديد، بينما يصر العقيد على تعقيد المشاكل من حوله، فالزحف الاخضر الذي بشر به قام ليهز سلطانه الزائف بعد اربعين عاما من الكذب والشعارات الفارغة، واليوم يسقط الزعيم المفكر في فخ شعاراته.

والتاريخ يخبرنا انه ثمة فريضة غائبة نادى بها عبود الزمر ذات يوم وان اسقطتها مراجعاته في ما بعد، فان الشعب الليبي تلقف هذه الفريضة وهب لادائها فهي لا تشترط شيئا غير التعجيل في مواجهة واسقاط كل جبار عنيد، ولا يرجو الشعب الليبي غير كسب اجر وثواب هذه الفريضة، وما اعظم الحرية والكرامة اجرا وثوابا؟ ‘ صحافي من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية