كتاب جديد يوثق تجربة التشكيلي حامد ندا: من رواد التصوير المصري الحديث وثيماته الشعبية مستمدة من الفقراء

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘ القدس العربي’ ـ من محمود قرني: الفنان الراحل والرائد حامد ندا سيظل، ربما لوقت طويل، يمثل قيمة كبرى في التشكيل المصري. وقد أصدرت مكتبة الأسرة هذا الأسبوع كتابا يوثق هذه التجربة الثرية تحت عنوان ‘ حامد ندا رائد السريالية الشعبية’ للدكتورة إيناس حسني، التي تتناول رحلة حياة ندا وصورته في مرآة الآخر وشهادات عنه وبعض الحوارات التي أجريت معه وكذلك قدمت العديد من لوحاته المهمة.

تشير المؤلفة إلى أن حامد ندا ولد في التاسع عشر من شهر تشرين الثاني ( نوفمبر) عام 1924 في شارع التلول في حي القلعة أعرق أحياء القاهرة، ثم انتقل ليمضي صباه في قصر يملكه جده في البغالة وهناك تشرب الدين والواقعية من والده، ونهل الفن والخيال من جده، فعاش حالة من التناقض غذتها فيه بساطة بيت والده في حي القلعة، وفخامة قصر جده الكبير.

وتقول المؤلفة أن موهبة الرسم ظهرت عند ندا وهو في سن السادسة، وكانت رسوماته بسيطة عشوائية وفي المرحلة الثانوية انصب اهتمامه على تثقيف نفسه ووجد ضالته في الفلسفة باعتبارها محور الثقافة والفكر، حيث قرأ لفرويد وأدلر وهيغل وشوبنهاور ونيتشه وانجلز، كان يبحث عن رؤية كل واحد منهم الفلسفية تجاه العالم.

وتشير المؤلفة إلى المؤشرات الفنية الأولى في حياة ندا بداية من مدرس الرسم في المدرسة الثانوية حسين يوسف أمين الذي أسس ـ فيما بعد ـ جماعة الفن المعاصر.

التحق ندا بكلية الفنون الجميلة عام 1948 وكانت لديه خلفية كافية عن الفن التشكيلي، وركائز أكاديمية مسبقة، فأصبحت الدراسة في الكلية مجرد دراسة تكميلية أكثر تركيزا، وأثناء الدراسة انضم لجماعة الفن المصري المعاصر، وكانت جماعة متحررة هدفها إحياء التراث الشعبي والثقافة المصرية والفلكلور المصري.

وتذكر المؤلفة إيناس حسني أن ندا تعلم في كلية الفنون على أيدي رائدي التأثيرية أحمد صبري ويوسف كامل، وتقول أنه مع ذلك لم ترسخ في أعماقه سوى تعاليم الرائد حسين يوسف أمين الذي أطلق قوى تلاميذه وحطم أغلال مواهبهم الخلاقة، إلا أن الدراسة الأكاديمية المعتمدة على المحاكاة ـ حسب المؤلفة ـ زودته بمخزون من صور الطبيعة وقراءاته الغزيرة في الفلسفة وعلم النفس والمعارف العامة لسنوات طويلة، ومنحته اسلوبا حضاريا للتفكير.

وتذكر المؤلفة ان حامد ندا عندما تخرج في كلية الفنون الجميلة كان مشروعه الذي رسمه عام 1952 هو الشعوذة والعقائد السائدة الموروثة والثيمات التي ظلت ـ حسب إيناس ـ لفترات طويلة تسيطر عليه على نحو جعلها اسلوبا خاصا به وحده.

وتقول المؤلفة: ان حبه للبيئة الشعبية كان من نتيجته الطبيعية أن اختار لمشروع البكالوريوس موضوع الشعوذة ومن صورها الزار، ولكي يضفي واقعية وحيوية على المشروع أحضر لداخل الكلية فرقة حقيقية بالرايات، لتعزف الى جواره في المرسم، وكان وقتها الدكتور طه حسين وزيرا للمعارف ويسكن الى جوار المرسم. وكان دائما ما يرسل للكلية بمنع الضجيج، وإذا به هذه المرة يجد من يخبره ان في الكلية فناناً لا يرسم إلا بهذه الطريقة، واستمرت حفلات الزار الداخلي لمدة ثلاثة شهور حتى انتهى المشروع وفي يوبيل الكلية الفضي أحضر ندا فرقة أبو الغيط تعزف عبر شوارع الزمالك ولقيت اعجابا وترحيبا هائلا داخل الكلية.

بعد تخرجه عمل حامد ندا مدرسا للرسم بإحدى المدارس الابتدائية، وكثيرا ما كان يذكر ـ حسب المؤلفة ـ أنه يتعلم من رسوم الاطفال لا سيما الجرأة وإطلاق الفنان الخيال الفني بعيدا عن القيود الاجتماعية والاكاديمية، وتذكر الكاتبة أن الكونت فيليب دارسكوت شجعه على اسلوبه التعبيري منذ البداية عام 1953، وأحضر له أوراقا خاصة لها طبيعة النشاف لتساعده على التعبير بالملامس، وأقام له معرضا في المانيا الغربية آنذاك، وكذلك ساند جماعة الفن المعاصر، حيث وضع كتيبات عن أعضائها وخاصة عبدالهادي الجزار وحامد ندا، وفي عام 1946 كان المعرض الأول لجماعة الفن المصري المعاصر، وفي ايار ( مايو) 48 كان المعرض التالي حيث ظهرت باكورة أعمال الجزار وندا مكتملة الشخصية حسب تعبير الكاتبة، حيث لفتت انتباه النقاد والمعنيين، وكان الفارق جليا بينهما في الاسلوب وما ينطوي عليه من فكر ومضمون.

تقول ايناس حسني: ‘ بدأ ندا في تصوير عالمه مقتربا من الجزار ورأى المشعوذين والزار بداية قوية جذبته بشدة نحو قهوة المجاذيب الواقعة في حارة الميضة خلف مقام السيدة وعالم المشعوذين بذقونهم الطويلة وملابسهم الغريبة.’ وتضيف حسني: ‘ لقد كان هذا العالم الذي يدور في نطاق اللاعقل هو النقيض لديناميكية الفكر الانساني العقلاني الذي اطلع عليه في الكتب الأدبية والفلسفية لنيتشه، شوبنهور، هيغل، فرويد، بايرون، بودلير، كافكا، سترافنسكي، وغيرهم من أساطين الفكر المصري أمثال طه حسين، صلاح عبدالصبور، لويس عوض، يحيى حقي وغيرهم.

وترى المؤلفة ان هذا العالم النقيض اللاعقلي هو المثير الكبير عند ندا ولذلك فإنه ببساطة قد استطاع عن طريق هذين النقيضين أن يكون رؤيته الخاصة ووسيلته في ذلك هي سطح اللوحة.

وترصد المؤلفة بعد ذلك وصول ندا الى ما تسميه الينبوع الراقي للفن المصري القديم في الأقصر، حيث التقى مع فكرة البعدين والاستغناء عن البعد الثالث، وبدأ في رسم أشكاله بطريقة مسطحة لا تحتاج الى التجسيم الخفيف الذي لا يظهر بشكل جاد وبدأ ينشر على لوحاته الألوان بطريقة عفوية. وتقول إيناس: ‘ إن ندا كشف في لوحاته عن سيطرة الجنس على عالم الحياة الشعبية وعالم الخرافات التي يعيشونها في الأحياء الفقيرة، فصور العجز في جميع لوحاته في صورة الرجل بينما صور الحيوية ـ والتفجير والامتلاء في صورة المرأة، ومن خلال علاقتهما ببعضهما نسج ندا معظم لوحاته، كما يقول الناقد التشكيلي مكرم حسنين.’وترى إيناس حسني أن أهم الموتيفات التي صورها ندا هي أفراد الفرقة الموسيقية الشعبية: الطبال، الزمار، النحاسيات، البيانولا، قلة السبوع، الفوتوغراف، الزير، لمبة الجاز، كراسي المقاهي الشعبية الخشبية، المجاذيب، المرأة، القط، الزواحف، التي كانت تعلق قديما على مداخل البيوت، الديك، التمساح، صندوق الدنيا.

في عام 1960 سافر حامد ندا إلى اسبانيا ليدرس التصوير الجداري والتصميمات في أكاديمية سان فرناندو في مدريد، ليتحقق له الإمساك بتلابيب التقنية اللونية ـ حسب تعبير المؤلفة ـ وربما كان تأثره بفنون البدائيين، وفناني الكهوف الذي ظهر في الكثير من أعماله وتحليلاته للجسم الأنثوي ثمرة من ثمار هذه الرحلة الاسبانية.

وترصد المؤلفة أن لوحات ندا مثل ‘ داخل المقهى’، التي رسمها عام 1949، حيث تحوي رجلا جالسا على الأرض بيده ثلاث ورقات كوتشينة، ووشم على يده اليمنى، يدقق النظر في الورقة باحثا عن الحظ وبجواره كرسي جلست عليه قطة لها نظرات الثعالب، وكذلك لوحة ‘ رقاد القط’ 1948، ‘ المتعبد والسحلية’ 1947، ‘ القبقاب’ 47، ‘ الدراويش’ 1947، وهي من مقتنيات متحف الفن الحديث في القاهرة.

وترى إيناس حسني أن المرحلة الثانية في تطور حامد ندا كانت مع انضمامه للجمعية الأدبية المصرية التي كانت تصدر مجلة ‘ الثقافة’ وكانت تضم بين محرريها الدكتور طه حسين، سهير القلماوي، عز الدين إسماعيل، والشاعر صلاح عبدالصبور.

وكان ندا يقوم بعمل رسومات المجلة الداخلية، ويقدم فيها النقد الفني حتى أغلقت المجلة عام 1952. وتذكر الكاتبة ان حامد ندا بدأ مرحلة جديدة في مشواره منذ عام 1956 مع الناقد الفرنسي فيليب دارشو وفي عام 1957 تذكر حسني أن ندا عاد ليعمل بالتدريس في كلية الفنون في الإسكندرية، وتوقف عن الانتاج الفني لمدة عام، ومع بداية عام 1959، عاد لممارسة الفن بحماس ونضج أكثر، وكانت نقطة تحول في مساره الفني. بدأ بلوحة ‘ فرح عزة’ عام 1959 التي حصلت على جائزة بينالي الاسكندرية في العام ذاته. وتذكر حسني أن ندا ركز في الستينيات على رسم الحيوانات، المراكب، النجوم، وبرز الرمز في أعماله، وزاد استخدامه للون الرمادي نتيجة تأثره بتحول المجتمع نحو الصناعة والجو الرمادي الذي كان يسود العالم في هذه الفترة فكانت لوحاته ‘ افريقيا والاستعمار’، ‘ كينيا والاستعمار’، ‘ هيروشيما’ ، ‘ الحرب والسلام’ . يقول الناقد رينيه ميريل عن حامد ندا عام 1953: حامد ندا واحد من المصورين الذين ينطلقون من الواقع في التعبير عن عواطفهم، وشخوصهم دون أن يمسخوها بتصنعات عقلية بل هم يستخلصون على وجه الخصوص، أكثر المعاني خفاء في الاشياء، أعني حقيقتها الجوهرية فالشخصيات والموتيفات في لوحاته تبدو ذات جمود غريب لكنها خاضعة لانفعالات الفنان، ففي خضم هذا الجمود نجد ذراعا ممدودة وعينا مفتوحة وأصابع متصلبة، كما لو كانت تعني نداء حسيا بالتضاد والمفارقة المأساوية بين المظهر الخارجي وداخلية الحياة في الأوساط الشعبية.

وتذكر المؤلفة أن المستشرق الفرنسي جاك بيرك اختار الفنان حامد ندا ليكون نموذجا لفناني الدول العربية في كتابه ‘ العرب حاضر ومستقبل’ كما كتبت عنه العديد من الموسوعات العالمية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية