الناصرة ـ ‘القدس العربي’ من زهير اندراوس: قال البروفسور ايال زيسر، المختص في الشؤون السورية انّه خلال العقود الثلاثة الاخيرة، ومنذ قمع النظام السوري ثورة الاخوان المسلمين ضده سنة 1982، اعتُبر نظام البعث بقياد اسرة الاسد النظام الاكثر استقرارا في الشرق الاوسط، والذي يسيطر بقوة وبيد من حديد على مختلف انحاء الدولة.
لكن، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن مفاجئا وصول موجة الاحتجاج التي اجتاحت الشرق الاوسط وقوضت النظام السياسي في كل من تونس ومصر الى سورية. فالاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في سورية لا تختلف عما هي عليه في العالم العربي، كذلك لا يختلف الشباب السوري عن الشباب في تونس ومصر، فهم مثلهم لا امل لهم بمستقبل افضل، ويعانون ضائقة اقتصادية قاسية، وعنفا وظلما.
وزاد في مقال نشره امس على موقع المركز الاسرائيلي للامن القومي انّ الرئيس السوري بشار الاسد امل بألا تتأثر سورية بموجة الثورات العربية، اذ قال بثقة، في مقابلة اجرتها معه صحيفة ‘وول ستريت’، ان سورية ليست مصر ولا تونس، وان نظامه بعكس نظام كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك، يحظى بتأييد الشعب السوري بفضل موقفه الشجاع في مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة، ولكن في 18 اذار(مارس) الماضي اشتعلت النار في سورية وما زالت مشتعلة حتى الآن، وقد باءت جهود النظام السوري في اطفائها بالفشل. ففي اعقاب صلاة الجمعة في ذلك النهار خرج الاف المصلين من المساجد في كل انحاء سورية للتظاهر مطالبين بالحرية، واشتبكوا مع قوات الامن السورية التي سارعت الى اطلاق النار عليهم، الامر الذي ادى الى مقتل العشرات منهم.
وبرأيه، تلقى النظام السوري صفعة عندما خرجت هذه التظاهرات في انحاء سورية، لكنه بقي متماسكا ومستعدا للرد بحرب لا هوادة فيها. وقد اثبت هذا النظام خلال الاسابيع الاخيرة قدرته على تجييش مئات الالاف من المتظاهرين المؤيدين له، والذين جمعت اجهزة الاستخبارات الجزء الاكبر منهم بصورة منظمة للتظاهر تأييدا للنظام. واشار الى انّ النظام في سورية يحظى بتأييد مطلق من جانب الجيش والاجهزة الامنية السورية التي لم تتردد في تفريق المتظاهرين بصورة وحشية واطلاق النار عليهم، وذلك بعكس الجيشين المصري والتونسي اللذين رفضا اطلاق النار على المتظاهرين.
وفي الحقيقة، فان ضباط الجيش السوري الذين هم في معظمهم من ابناء عائلة الاسد ومن عشيرته وابناء طائفته، يعلمون جيدا ان المتظاهرين في سورية يطالبون ايضا برأس قادة الجيش والاجهزة الامنية، وفي حال سقط الاسد فهم سيسقطون معه، وذلك بعكس ما حدث في مصر عندما انتقلت السلطة من مبارك الى وزير الدفاع الذي تحول الى شخصية محبوبة لدى جمهور المعتصمين في ميدان التحرير.
وتابع قائلا: بعد مرور اسبوعين على وصول موجة الاحتجاج الى سورية، القى بشار الاسد خطابه امام مجلس الشعب المؤيِّد له بجميع اعضائه. لقد اراد بشار ان يُظهر ثقة بنفسه في مواجهة المعارضين له، وسارع في اعتبار ما يحدث في سورية مؤامرة تشارك فيها اسرائيل ودول غربية وعربية، كذلك اتهم وسائل الاعلام بالوقوف ضد سورية والسعي لتفكيك الدولة.
ورأى زيسر انّ اهمية خطاب الاسد لا تكمن فيما تضمنه، اي محاولته حشد التاييد له على قاعدة العداء لاسرائيل، وانما تكمن فيما لم يتضمنه. اذ على عكس الزعماء العرب الاخرين الذين خسر بعضهم منصبه، في حين يحارب البعض الاخر دفاعا عن هذا المنصب، رفض الاسد تقديم اية تنازلات او تعهدات غامضة بالتغيير او بالاصلاح. وفي اليوم التالي للخطاب، اعلن في دمشق تشكيل عدد من اللجان مهمتها البحث في امكان الغاء قانون الطوارئ المعمول به في الدولة، لكن هذه الخطوة ليست ذات اهمية لان تغيير هذا القانون او ذاك لن يغير الصورة ويمنح الحرية لسكان هذه الدولة. ولفت الى انّه بدا واقع جديد بالظهور في سورية التي كانت تعتبر الاكثر استقرارا وقوة من الدول العربية كلها. لقد نجح النظام في السيطرة على ما يجري، وفي اخراج الجماهير الى الشوارع للتظاهر تأييدا له، لكن يوم الجمعة هو يوم مخصص للمتظاهرين المعارضين الذين يخرجون من المساجد للتظاهر، ويمكن القول بصورة اكثر وضوحا ان النظام السوري نجح حتى الآن في مواجهة الطوفان الذي اسقط النظام في كل من تونس ومصر، وحافظ على وحدته وسيطرته على الاجهزة العسكرية والامنية. لكن على الرغم من ذلك لم ينجح في اطفاء النار التي ما زالت مشتعلة ولو بنسبة ضعيفة، ولا سيما بعد صلاة يوم الجمعة في المساجد.
وقال ايضا ان حركة الاحتجاج في سورية ما زالت محدودة، وما زال المتظاهرون لا يتجاوزون بضعة الاف، وما زالت مراكز الاحتجاج في الضواحي، كذلك لا يزال ملايين السوريين من سكان المدن الكبرى مثل دمشق التي يبلغ عدد سكانها 5.5 مليون نسمة، او مدينة حلب التي يبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة يراقبون ما يجري من دون المشاركة في التظاهرات.
وخلص الى القول انّ السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو ليس فقط ما سيحدث في سورية في الاسابيع المقبلة، بل ايضا الى اين ستتجه هذه الدولة في المستقبل القريب. وهنا تجدر الاشارة الى ان موجة الاحتجاجات التي وصلت الى سورية لم تستطع ان تحقق ما حققته هذه الموجة في تونس ومصر، وان تؤدي الى انهيار النظام السوري، لكنها نجحت في زعزعة اسس هذا النظام، وستبقى مثل جذوة متقدة تواصل اشعال نار الاحتجاج من تحت الارض. لم تعد سورية الدولة الاكثر استقرارا في الشرق الاوسط، وهي ستشهد مواصلة للاحتجاجات في ايام الجمعة، اذ سيبقى النظام مدعوما من قسم من الشعب السوري ومن الاجهزة العسكرية والامنية، في مقابل جزء كبير من الشعب سيستمر في التعبير عن احتجاجه على هذا النظام.
ومن الصعب معرفة ما سيجري في النهاية، لكن غالبا ما تنتهي مثل هذه النزاعات ملطخةً بالدماء.