جماهير غفيرة شاركت بتشييع جثمانه إلى مثواه الأخيرالناصرة ـ ‘القدس العربي’ من زهير أندراوس: ما زال الغموض يكتنف اغتيال المخرج العربيّ الفلسطينيّ، جوليانو مير- خميس في مخيم جنين يوم الأحد الماضي، وقد شيعت جماهير غفيرة يوم أمس جثمان المرحوم (53 عاما) إلى مثواه الأخير. وحسب المعلومات المتوفرة فقد لقي مصرعه رميا بالرصاص بالقرب من مسرح (الحرية) الذي يديره منذ عام 2006 في مخيم جنين، والذي أعاد تأسيسه وبناءه بعد تدميره خلال الاجتياح الإسرائيلي للمخيم.
وأشارت الشرطة الفلسطينية إلى أن 5 ملثمين أطلقوا النار على المرحوم وأردوه قتيلا، وان قوات الإسعاف وصلت إلى المكان وحاولت تقديم الإنعاش والإسعاف له إلا أن محاولات إنقاذ حياته باءت بالفشل، وأسفرت عملية إطلاق النار كذلك عن إصابة مربية طفل خميس بيدها وهي الآن تتلقى العلاج في المستشفى.
وفي أخر نشاط له، اخرج الفقيد مسرحية (الكراسي) ليوجين يونيسكو، ويعرف جوليانو بمواقفه الوطنية المناهضة للاحتلال الإسرائيلي والصهيونية، وكان قد تلقى تهديدات عديدة بالقتل وُجهت إليه على خلفية نشاطه السياسي ونشاطه المسرحي في جنين. ولد جوليانو في 29 (أيار) مايو من عام 1958، وشارك في 28 فيلما، أبرزها إخراج وإنتاج وتصوير الفيلم الشهير (أولاد آرنا)، الذي يتناول قصص 10 أطفال من جنين كان يدرسهم المسرح هو وأمه في مسرح الحجر، الذي أسسته والدته آرنا مير – خميس، يهودية يسارية معروفة بمواقفها المناهضة للاحتلال والصهيونية، والمدافعة عن حقوق الشعب الفلسطيني، ويقوم جوليانو بعرض معاناة الأطفال من خلال الفيلم في ظل الاحتلال وخلال الاجتياح، وتحول البعض منهم إلى مقاومين عسكريين للاحتلال، مثل زكريا زبيدي، وقد استشهد جميع أعضاء المسرح الشباب، في حين حصل الفيلم على عشرات الجوائز العالمية، وكانت المؤسسة الإسرائيلية قد اعتقلته وحققت معه على ضوء فيلم ‘أولاد آرنا’، وجوليانو ابن لصليبا خميس، الذي كان قياديا سياسيا في الحزب الشيوعي الفلسطيني في الناصرة لسنوات عديدة.
وكان قد أشار جوليانو في حديث سابق له عن مسرح الحرية بأن هذه المسرح هو المكان الذي يضم الفلسطينيين في نضالهم لأجل الحرية، نحن نؤمن بأن الانتفاضة القادمة يجب أن تكون ثقافية، لم يحظ مخيم جنين بأي مسرح من قبل، ولكن بتأسيسه أصبح هنا في جنين مسرحا لثلاثة الاف طفل يعيشون في سجن محاط بأسلاك كهربائية، مسرح الحرية يقول نحن لسنا إرهابيين، الحرية هي مسرح الحرية، الانتفاضة هي قيمة أولية، الحرية ليست مجرد كلمة، فلا حرية بدون علم وسلام، فالحرية والسلام لا يتجزآن، هذه هي كلمات والدة جوليانو آرنا خميس التي أسست مسرح الحجر في جنين لأجل أطفال جنين لتسنح لهم المجال بالتنفيس عن غضبهم وخوفهم، وواصل ابنها مشوارها في مسرح الحجر بعد أن توفيت أمه في آذار (مارس) 1996. وفي تعليق لمحافظ جنين، قدورة موسى حول الحادث، قال إن المسؤولين في المحافظة وفي السلطة الفلسطينية صدموا بالخبر، وإنهم يعتقدون أن هناك تقصيرا في وخللا في أداء الأمن الفلسطيني، وأنهم قاموا في المحافظة بتشكيل لجنة تحقيق للحصول على خيوط تدل على القاتل، مؤكدا أن جوليانو معروف في جنين، خاصة وفلسطين عموما بمواقفه الوطنية، وأنه وإن كان يحمل الجنسية الإسرائيلية، فهو فلسطيني، وقد قدم هو وأمه الكثير لأطفال جنين خلال سنوات عمله، مؤكدا أنه يقيم في جنين منذ 7 سنوات هو وأسرته.
وقد أدان رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض بشدة جريمة قتل المخرج، جوليانو خميس الذي كان يقيم في مخيم جنين، وكان متطوعاً يعمل في مسرح الحرية، وساهم في تدريب العديد من الشباب الفلسطيني. وقال فياض في بيان رسمي إن هذه الجريمة البشعة لا يمكن السكوت عنها إطلاقاً، وهي تشكل انتهاكاً خطيراً يتجاوز كل المبادئ والقيم الإنسانية، وتتناقض مع عادات شعبنا وأخلاقه في التعايش، وأكد فياض أنه أعطى تعليماته للأجهزة الأمنية للعمل الحثيث وعلى مدار الساعة من أجل إلقاء القبض على الجاني ومحاكمته. وشدد على أنه لا يمكن التهاون في التعامل مع هذه الجريمة أو غيرها، كما لا يمكن السماح ولا تحت أي ظرف من الظروف بالفلتان والعبث بالأمن، على حد تعبيره.
على صلة، أصدرت عائلة جوليانو مير خميس، أمس، بيانا جاء فيه: نحن مذهولون وقلوبنا يلفـّها الألم على موت حبيبنا جوليانو. لقد كرّس جوليانو حياته للحبّ وللناس وللحرية، التي كانت جوهر حياته وأساسَها. لقد ناضل من أجل العدل والمساواة والحرية الشخصية والجّمعية. كان أبا محبا ومخلصا لكيشت وميلاي وجيه- الذين سيتقاسمون موروثه مع التوأمين اللذين لم يُولدا بعد. كان ابناً وأخاً وزوجاً وشريكاً وصديقاً وزميلاً محباً وداعماً. كان رائعاً وموهوباً ومبعثَ وحي وإلهامٍ لنا جميعاً. لقد بدأت الحرية لدى جوليانو من داخله. الفنّ والسياسة وحبّ الحياة اجتمعت كلها لديه. فقد كان متمرّداً ومحارباً من أجل الحرية وإنساناً رائداً وطلائعياً على المستوى الثقافي، وكان متحدثا طلقاً باسم الحقيقة البسيطة. لقد عرّف نفسه بأنه فلسطيني 100′ ويهوديّ 100’، وبهذا أرسى تعريفاً لنا جميعاً، عبر كُلٍّ واحدٍ لا يتجزّأ. إنّ موت جوليانو خسارة هائلة لنا ولمسرح الحرية في مخيم اللاجئين في جنين، الذي أسّسه برفقة أمّه آرنا، والذي سنواصل دعمَه. نحن وأهل جنين نتألم على رحيله، وسنواصل تقاسم حياتنا وتطلعاتنا المشتركة للحرية والمساواة لجميع أبناء هذا البلد.