‘أول النهار’ لسعد القرش الرواية الفائزة بجائزة الطيب صالح في طبعة ثانية

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’: صدرت عن ‘الدار المصرية اللبنانية’، الطبعة الثانية من رواية ‘أوّل النهار’ للروائي ‘سعد القرش’، وهي الرواية التي فازت بالمركز الأول لجائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي. وكانت الطبعة الأولى من هذه الرواية قد صدرت في العام 2005م، ولقيت صدى نقديًّا لافتًا، مع تجاهل إعلامي لافت أيضا.

هذه الرواية، تحمل كل ملامح إبداع القرش في الكتابة الأدبية: اللغة الرشيقة الدقيقة، لا حشو ولا زيادات، لا تفسير لموقف أو فذلكة عقلية، بل منطقاً فنياً يفرض نفسه، وتستوعبه اللغة، وبناء فنياً متماسكاً، يفضي أوله إلى أوسطه، ويفضي أوسطه إلى آخره، وفي الحالين تأتي التقنيات السردية البسيطة، كالفلاش باك، والجملة الاعتراضية والحوار الداخلي ( المونولوغ)، والحوار الثنائي والثلاثي أحيانًا ( الديالوغ) في نقلات سريعة كضربة فرشاة، سلسة ومتوافقة، غير ناتئة لا تشعر إزاءها بأثر الصنعة، بل كل شيء طبيعي، في هندسة روائية تلقائية، كأنها رواية كتبت نفسها، بعد أن استوى موضوعها وشكلها في قلب وذهن كاتبها، فخرجت على هذا الشكل الانسيابي البديع، لتشكل ملحمة روائية فذة في سيرة الرواية الجديدة في مصر والوطن العربي.

يأتي الطابع الملحمي في الرواية من عمق شخصياتها وتنوعها، ومداها الزمني الطويل، الجدّ والأب والأحفاد، فهناك شخصيتا عمران وحليمة، بطابعهما التراجيدي القدري، فالأقدار وغضب الطبيعة، و ‘هما كالمرض يستعفي على الفقراء وأهل القرى’ تشكل مصائر أبطال مأساويين لا يملكون إلاَّ الفرار أمامهما، مكررين رحلة البحث عن ملجأ لا يستقران عليه أبدًا، وهو ليس ملجأ مكانياً، بل استقراراً نفسياً مفقوداً على طول العمل وتشابكه، فعمران شخصية العمل الرئيسية بطل تراجيدي بالمفهوم الفلسفي للتراجيديا، وباكتمال عناصرها الفنية، يعرف المصير المحتوم ويستسلم له، فيقع كما توقعه بالتمام والكمال، أو كما جاء على لسان مبروك: ‘ولعن حياة تأتي في لحظة نشـوة وتذهب عبثًا، يأتون من عدمٍ ويذهبون إلى عـدمٍ، فلمـاذا لا يعفون من هذا العناء؟’. الصراع مع الأقدار، قائم على تصديق النبوءة فأولاً العائلة مشؤومة تحل بها كارثة كل خمسين عامًا، تحقق ذلك في الخمسين الأولى بغرق القرية في الفيضان، وثانيًا ‘مبروك’ ابن الحاج عمران تقول نبوءته الشخصية أنه لن يعيش إلاَّ وحيدًا، وتحقق ذلك بموت جميع أخواته في الفيضان، وتنطبق عليه نبوءة ‘هند’ التي يموت كل من يراها عارية، وقد تزوجهـا فحقق النبوءة. وثالثًا ‘هنـد’ منحوسـة، لا يعيش من يراها عارية، تحققت نبوءتها الشخصية – أيضًا – أولاً مع المملوك الذي رآها تسبح في الترعة، وأمها ماتت بعد ولادتها بقليل، وزوجها مبروك نفسه مات بعد أن شاهدها كذلك ليلة عرسه، وبعد ساعة من المتعة هي الحياة نفسها، ليصبح الموت قرينًا أبديًّا لحياة هي كالحلم أو أخف قليلاً رغم مأساتها أو مآسيها، وبلسان الرواية نفسها ‘لا يقين في الحياة إلاَّ الموت’. تطمح الرواية، على امتدادها، لأن تكون تاريخًا شعبيًّا، تاريخ الناس كما في حيواتهم، لا تاريخ الحكام في سلطاتهم، فهنا في ‘أول النهار’ : الأسواق الشعبية والمقاهي الفقيرة، وأفران الخبيز، والسلق والرِّجْلة والـجُعْضيض، والـخُبِّيزَة، ومولد السيد البدوي، روائح وأطياف قديمة، تهل من بين سطور الرواية، تضعنا في قلب لحظة تاريخية لا يمكن الإمساك بها في الحقيقة، لكننا نعيشها مع شخصيات الرواية.

تلعب السخرية دورا محوريًّا – على قلتها – في الرواية؛ حيث تأتي دائمًا ضمن سياق طبيعي تغلب عليه الكتابة، فتكون طبيعته غير مفتعلة، كما على لسان الناس، ومن واقع الحال، وضغط الأقدار، وصراع البشر مع نبوءاتهم وتصوراتهم عن أنفسهم.

تقع الرواية في 300 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف فني للفنان محمد حجي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية