قراءة في ديوان ‘تطريز بن لادن’ لغادة نبيل عاطف عبد العزيز لا أذكر الآن متى كانت المرة الأولى التي قرأت فيها شعرًا لغادة نبيل. لا بد أن ذلك كان منذ وقت طويل. كل ما أذكره هو أنني قلت في نفسي وقتها: ‘هذا مذاق مختلف’، لم يخالجني أيّ شك في قيمة ما قرأت، إذ أن الطاقة الشعرية المنبعثة من النصوص كانت حاضرة بقوة، وكان العالم الذي تقدمه الشاعرة حقيقيًا وكأنه منتزع من الحياة توًا.
غير أنني ظللت محيرًا، لا أعرف بالضبط من أين تنبعث هذه الطاقة، فالنصوص بدت وكأنها تخلو من الصنعة الظاهرة التي اعتدنا على رؤيتها لدى الشعراء. كانت اللغة بسيطة وجارحة وتبدو للوهلة الأولى منسابة في سياق هادئ نسبيًا، لكن سرعان ما يكتشف قارئها أن ثمة توترًا خفيفًا كان يختبئ طوال الوقت تحت السطح، توترًا يشبه الرعشة العابرة.
ما أعنيه هو أن التقنية كانت موجودة بالفعل، لكنها كانت تقف في خلفية النص دائمًا لا في مقدمته، هذا لو غضضنا النظر طبعًا عن حرص الشاعرة على تقديم نصها داخل إطار من التشكيل البصري الدال، أعني التشكيل البصري للصفحة المكتوبة، وهو حرص لازمها بعد ذلك ووسم أداءها الشعري في عمومه.
الملاحظة الأخرى التي بقيت في ذاكرتي من تلك القراءة الأولى، هي اتكاء الشاعرة في مواضع عديدة بنصوصها على المرجعية الشخصية التي تكاد تكون مغلقة، الأمر الذي بدا لي أنه قد يصنع فجوات دلالية داخل هذه النصوص تبلغ من الاتساع ما يعجز المتلقي عن عبوره، وهنا أود تأكيد أنني لست من دعاة الوضوح على أي نحو، غير أن الملاحظة التي سقتها جاءت في إطار المسؤولية الجزئية للمبدع عن سلامة قنوات اتصاله بمتلقيه، فيما أعتقد أنا شخصيًا.
فيما بعد أتاحت الظروف أن تربط الصداقة بين غادة نبيل وبيني، خاصة عندما تشاركنا ضمن أصدقاء آخرين في تحرير مجلة ‘مقدمة’ أوائل عام 2007، ومن ثم كان طبيعيًا – عبر حواراتنا المتصلة – أن يطل كل منا على العالم الفكري والإنساني للآخر، وهو أمر أعانني بلا شك على ملء جانب من تلك الفجوات الدلالية الحادثة بنصوصها عند معاودة قراءتها.
والحقيقة أن هذه التجربة الشخصية في مقاربة نص غادة كان لها انعكاسات غاية في الأهمية على آليات قراءة النص الشعري لديّ بشكل عام، إذ جعلتني أعيد النظر مرة أخرى فيما يتعلق بمسألة الغموض الناشئ عن المرجعيات الشخصية داخل النصوص الشعرية، كي أصل إلى القناعة بأن قدرًا أكبر من المرونة لا بد أن يتحلى به المتلقي إزاء نصوص كتلك، نصوص قد لا تعطيه نفسها بسهولة من الوهلة الأولى، ولكنها مع ذلك تهزه هزًا بصدقها ودمها الحار، وأن هذه المرونة المطلوبة هي الحد الأدنى من التعاطف الواجب على القارئ مع النص الشعري الذي اقتطعه الشاعر من لحمه الحي، وبعبارة أدق فإن قناعتي القديمة التي كان مفادها أن النص الشعري الذي ندركه هو النص الذي يمكننا تصديقه، قد حلت محلها قناعة جديدة مفادها أن النص الذي يجعلنا نصدقه هو نص أدركناه بالفعل. المصداقية إذن هي المحك الرئيسي عند غادة نبيل، بل يمكن القول دون أن يطرف لنا جفن إنها الغاية والوسيلة في آن واحد، وعندما يتجرأ واحد مثلي من الدخلاء على حقل بالغ الوعورة مثل حقل النقد الأدبي ويصك مصطلحًا جديدًا ولو بشكل مؤقت مثل ( المصداقية الشعرية) سوف ينتصب أمامه على الفور وبشكل لزومي مصطلح جديد آخر هو ( الحقيقة الشعرية)، وأعني بالحقيقة الشعرية هنا، تلك الطاقة الجمالية الخفية التي تنبعث من النص فتجعلنا متورطين فيه ومسؤولين عنه من حيث كونه واقعًا جديدًا نعيش فيه من فرط صدقيته من جهة، ومن فرط قدرته على الاستجابة لحاجتنا إلى اكتشاف أنفسنا من جهة أخرى، وتتصل هذه الطاقة أيضًا بما يعترينا من شعور بالنشوة حين ننجح كمتلقين – كل منا على حدة – في ملء التجاويف الدلالية بالنص، وكأن كل متلقّ ٍ ـ حسب ثقافته وإمكاناته التأويلية – سوف يكون عليه أن يقدم اقتراحه الخاص بكتابة النص، ومن ثم سيعتبر نفسه شريكًا أصيلاً في إنتاجه. ربما لا نكون بحاجة إلى القول بأن هذا سوف يؤدي بالضرورة إلى حصولنا على عدد لا حصر له من هذه الاقتراحات، إذ سيصبح توالي عمليات إعادة الكتابة عبر القراءات المتعددة على النحو الذي أشرنا إليه أقرب ما يكون إلى سلسلة من الانشطارات النووية اللانهائية. على أن هذا المصطلح الافتراضي ( الحقيقة الشعرية) قد يكون ذا نفع من وجهة نظري إذا ما تحلينا بشيء من الصبر واختبرناه بحسبانه أساسًا يمكن البناء عليه من أجل إيجاد تعريف جامع مانع للشعر كنوع أدبي، وهو تعريف باتت حياتنا الأدبية في حاجة ماسة إليه في ظل انفتاح قوس التجريب على آخره لدى أجيالنا الجديدة من الشعراء، وفي ظل سقوط الحوائط التاريخية التي بقيت تفصل ما بين الأنواع الأدبية لقرون مضت مما أدى إلى اندياح وتراسل تقنيات الكتابة فيما بينها، وبالتالي فقدت هذه الأنواع شيئًا فشيئًا ـ لا سيما الشعر- أشكالها المعروفة، وبصيغة أخرى فقدت أشكالها المتعارف عليها اجتماعيًا.
خلاصة ما أرمي إليه هنا إذن هو تأكيد أهمية العمل على بلورة الشروط الجوهرية التي تجعل من الشعر شعرًا في ظل انهيار نظرية القالب الفني بأبعاده الشكلانية الصارمة، وإعادة رسم إطار نظري جديد قادر على الإحاطة بنتاج الشعر العربي كله عبر تاريخه الطويل، إطار قادر على جمع امرئ القيس بالمتنبي بالسياب بالماغوط بغادة نبيل على مائدة واحدة. من هذه الزاوية يظهر لنا ديوان ‘تطريز بن لادن’ ميدانًا واسعًا لما أطلقنا عليه ( الحقيقة الشعرية) بتجلياتها التي لا حصر لها، كما سوف يتضح لنا بتفصيل فيما بعد، غير أنه من المهم بمكان الإشارة إلى أهمية هذا الديوان ومحوريته، لا فيما يخص تجربة غادة فحسب، بل في المجرى العام للنص الجديد الذي يكتب الآن في مصر والعالم العربي، وذلك لاتصاله المؤكد بمجمل إبداعات هذا المجرى العام بحكم الشراكة في الهواجس والهموم العامة والشراكة في الظرف التاريخي والجغرافي من جهة، ولانفصاله من جهة أخرى عن هذا المجمل من حيث تجنبه أو بشكل أدق عدم اكتراثه للوصفات المجانية الشائعة للنص الجديد، تلك الوصفات التي أسهم في الترويج لها مقاولو النقد في حياتنا الأدبية عبر استخدام غير منضبط لبعض المفردات من قبيل ( الهامشي.. التفاصيل.. اليومي.. العادي.. إلخ) مما أوقع الجانب الأكبر من النصوص الجديدة في مأزق السهولة والتشابه وفقدان الخصوصية، وفتح الباب على مصراعيه أمام الأوهام والتوهمات.*** وديوان ‘تطريز بن لادن’ الذي صدر العام (2010 م) عن دار العين في القاهرة في ما يزيد عن ثلاثمئة صفحة، والذي يضم نحو سبع وثلاثين قصيدة، يرصد في تقديري تجربة قاسية في الحياة، يرصدها بُعيد انصرامها مباشرة، بما يضع الديوان في خانة أود أن أسميها ( كتابة النقاهة)، والشواهد على ذلك موجودة، منها على سبيل المثال، خلو النصوص بالديوان من شوائب الانفعال الزائد المصاحب عادة لآنية التجربة الحياتية، بما يسببه هذا الانفعال من تشوش رؤيوي، لكن الحادث أن النصوص في مجملها بدت مليئة بالتأمل العميق، وحافلة بما يشبه النتائج المستخلصة من التجربة.
هناك أيضًا في هذا السياق ملاحظة ذات مغزى ـ وأرجو ألا أكون مسرفًا فيها- وهي أن قصائد الديوان جاءت في شكلها الكتابي على هيئة فقرات قصيرة منفصلة ومتباعدة بشكل واضح على فضاء الصفحات، وكأنها بهذا الإيقاع البصري المتقطع تحيلنا إلى معنى مضمر آخر يقترب من التنهدات أو الزفرات أو النفثات الحارة المرتبطة ـ غالبًا – بالأحزان العميقة الهادئة التي تعقب التجارب المؤلمة، أكثر من ارتباطها بالألم الآني المبرح والذي قد يناسبه الصراخ أو العويل المتصل.
ولأن وقت الكتابة ـ حسب افتراضنا – كان عقب انتهاء التجربة الحياتية مباشرة، فقد جاءت النصوص حيّة وساخنة وحافلة بالمشاهد والأزمنة والأمكنة، الأمر الذي وفر للتأمل العميق الذي يسم الديوان بشكل عام حماية كاملة من الوقوع في التجريد أو التفلسف المحض. إن هذا الديوان ذو السطح الهادئ ديوان خادع بلا شك، لأنه قد يوحي إلى القارئ المتعجل أن الحقيقة الشعرية في متناول اليد، وأنها أمر يكاد يكون مبذولاً لكل ساع، ومنشأ الخداع هنا هو التنوع اللافت لطرائق اقتناص هذه الحقيقة داخل الديوان، التنوع إلى حد التناقض، بما قد يحمل على الاعتقاد بأن كل الطرق تؤدي الى الحقيقة بشكل حتمي، من البساطة إلى التركيب، ومن الشخصاني المغلق إلى حد العماء حتى العام المشترك، ومن المنطقي إلى اللامنطقي أو إلى المنطق المعكوس، ومن الناقص المبتسر حتى التام المحكم، ومن الهندسي المتزن إلى العفوي الذي يستلهم المصادفة ويراهن عليها، بينما إذا حاول بعضنا أن يسلك أياً من هذه الطرق من أجل الوصول إلى الحقيقة الشعرية التي نتحدث عنها، فعلى الأغلب لن يظفر في النهاية إلا بخيبة الأمل، لأنه لن ينتبه إلى حقيقة أولية أخرى، وهي أن تلك الطرق كانت موجودة قبل النص طوال الوقت، وأنها ستظل موجودة بعده، بما يعني أن النجاح في اقتناص الحقيقة الشعرية مقرون بملكات خفية لدى الشاعر تتصل على الأرجح بحدسه وقدرته على الوصول إلى ما يمكن تسميته ـ مجازًا- بـ ( التكوين اللغوي الحرج) الذي يفجر حيوية النص، والذي يفجر التوتر الذي هو الرعشة التي تحدثنا عنها من قبل، والذي هو الانحراف المحسوب، والذي هو أيضًا مكمن السؤال الجوهري لهذا النص. التكوين الحرج هو ذلك الخليط الكيميائي مما هو متاح على قارعات الطرق، إذ يمكننا جميعًا الحصول على ما نشاء من مكوناته الأولية، بينما تظل مقادير هذه المكونات وظروف تفاعلها سرًا غامضًا، والتكوين الحرج في هذا السياق يعد معادلاً دقيقًا لمصطلح ( الكتلة الحرجة) لدى علماء الفيزياء، والمقصود به كتلة العنصر المشع التي ينبغي تحققها كميًا وكيفيًا دون زيادة أو نقصان – كما هو معروف ـ لإحداث أي انشطار نووي.**كلُّ ياسمينةٍ بسنةوالسنواتُ فرَّتْونحن لم نذهب إلى باريسمعـاً ولا عبرْنا إلى لندنولا نفذْنا مشروعَ نيبالها نحن أمام المرجعية الشخصية التي تبدو لنا من الوهلة الأولى أنها مغلقة، فلا أحد منا يعرف شيئًا عن ياسمين الشاعرة الذي استهلت به فقرتها التي وردت في قصيدة ( قال إنه هدية من رجل في طالبان)، لا نعرف شيئًا عن مشاويرها إلى لندن أو باريس، المشاوير التي بقيت أحلاماً مجهضة، ولا نعرف شيئًا عن مشروع نيبال، لكن هل نحن في حاجة فعلاً إلى هذه المعارف كي ندرك النص ويدركنا؟.. الحاصل أننا لسنا في حاجة إلى شيء من هذا على الإطلاق، فليس من الصعوبة بمكان توقع أن المخاطب هنا هو الحبيب القديم الذي تتشظى صورته في أنحاء الديوان، الحبيب الخائن الذي فرط وتنكر للحلم فيما بقيت الحبيبة أسيرة ما نسيه. هذا التأويل ليس مهمًا على أي نحو وليس جديدًا أيضًا، لكن الأهم هنا هو الجسارة التي تحلت بها الشاعرة وهي تسمي الأمكنة بأسمائها، إنها تنتزع مدنًا كاملة بناسها ودروبها وبناياتها وتغرسها في النص كي تحقنه بالمصداقية، تنتزع المدن بمناخاتها وتقاليد أهلها وروائح مطابخها وموروثاتها الثقافية، لم يكن من الممكن أن يحدث هذا في غيبة أسماء المدن، لأن التجريد والإطلاق يعطلان حواسنا ويحرماننا من التذوق والسمع والإبصار، فمفردة ( مدينة) لا يمكنها أن تنوب في المخيلة عن مفردة ( لندن)، بما يستدعيه الاسم من تواريخ وحوادث، ومن مشاهد قد نلمح في خلفيتها سماوات غائمة، مفردة ( مدينة) قد تمنحنا المعنى العام المبذول والمشترك والموزع بالتساوي بين سائر المدن، ولكنها تخذل الشاعرة التي تسعى إلى تضييق فضاء المخيال لدى المتلقي كي يطابق مخيالها. إنها لم تكتب ما كتبت إلا من أجل استضافته في ذاكرتها والتورط معها في حزنها الشخصي. إن الكتابة لدى شاعرتنا فعل دائب ضد العزلة. نحن في ظل هذه الأسماء نصبح بإزاء كيانات محددة تنتصب أمام أعيننا، كيانات متعينة وفي متناول أناملنا، نحن بإزاء كائنات حية مقدودة من لحم ودم تسعى أمامنا، ليس بوسعنا أن نشك في أصالة التجربة الإنسانية وراء نص ما ونحن بمواجهة تفاصيله المحكمة على هذا النحو، تفاصيل وافية دون أدنى ازدياد، تضعك داخل الموقف الإنساني وتجعلك واحدًا من أبطاله كي يستحيل الشخصاني الذي كان مغلقًا دونك في مبتدأ القراءة، إلى شخصاني يخصك أنت، شخصاني مغلق عليك.
تبقى لي ملاحظة دقيقة تخص هذه الفقرة أود ألا تفوتني ـ وأرجو ألا أُعد مسرفًا مرة أخرى – فلقد لمست ما يشبه الخطأ غير المقصود وأن أعاود قراءة السطرين الثالث والرابع من هذه الفقرة، إذ بدا لي أن مفردة ( معًا) التي جاءت في بداية السطر الرابع، كان الأقرب إلى المنطق أن تجيء في نهاية السطر الثالث لكونها متممة للجملة الفعلية مبنى ومعنى، بما يعني أن السطرين المشار إليهما كان من الأنسب أن يردا على النحو التالي: ‘ونحن لم نذهب إلى باريس معًا، ولا عبرْنا إلى لندن’غير أن ما توصلت إليه في نهاية الأمر نفى وجود خطأ من أي نوع، فالذي رجح لدي أن بالنص نزوعًا داخليًا يتصل باللاوعي لدى المبدعة ذاتها يسعى إلى تصحيح الواقعة التي تتحدث عنها الفقرة، كي يستبدل الذي كان يجب أن يحدث بما قد حدث فعلاً، وهو نزوع ـ في ظني – كان يصبو إلى إنقاذ أحلامها بعد فوات الأوان، فالمفردة ( معًا) التي تشير إلى الحبيبين داخل النص – وهي تقفز من السطر الثالث إلى الرابع – جسدت عبورًا كان من المفترض حدوثه يومًا ما من الساحل الفرنسي إلى الساحل الإنكليزي، نعم فالحقيقة الشعرية التي كشفت عنها تلك الانحرافة، كانت وحدها القادرة على جعل الفراغ الضئيل الذي يفصل ما بين السطرين الثالث والرابع – والذي لا يتجاوز ملليمترات معدودة – مساويًا تمامًا لمضيق مثل مضيق ( دوفر)، الذي ربما يبلغ عرضه في الواقع عشرات الفراسخ فاصلاً ما بين الساحلين الفرنسي والإنكليزي.
فهل كانت الشاعرة تحاول عبر هذه الانحرافة الخفيفة والتي تكاد ألا تُحس، أن تصلح بالشعر ما أفسده الدهر؟! … ربما.** كلُّ حزنٍ يبدأ بحزنكلُّ حزنٍ يبدأ بفرحدعونا نتوقف قليلاً أمام هذه الفقرة الصغيرة من قصيدة ( سُنَّة الإخلاص)، كي نلحظ معاً فداحة الانحراف الذي أحدثنه الشاعرة مستخدمة آلية جديدة لا أعرف كيف أسميها، هل يمكن أن نطلق عليها البساطة المفرطة مثلاً؟.. إنها تكاد تكون تفتيتًا لنواة أحادية، أي تفتيتًا لمعنى أحادي بسيط، التفتيت الذي لا يقدر عليه سوى روح طفل شفافة لم تلوثها المعرفة، ولم تدهسها سنابك الحياة، روح لا ترى غير ما تراه، فالطفل الذي لم يتخط الثالثة حين نسأله مثلاً عمن يحب من الناس في هذا العالم، لن يجيبنا: ‘أحب أبويَّ’، بل الأقرب أنه سوف يتجنب هذا الإجمال المركب – الذي نكتسب مهاراته عبر حياتنا المعقدة – ليقول: ‘أنا أحب أمي.. أنا أحب أبي’. فالمعنى العام للفقرة التي نتكلم عنها فاجع ولكنه في النهاية بسيط، ومؤداه أن كل حزن أو فرح في حياتنا لا بد له أن ينتهي بحزن، لكن الأداء الطفولي يضيف فجيعة إلى فجيعة، لأنه يمنحنا إيحاءً عميقًا بهشاشة الذات الشاعرة في مواجهة العالم، الذات التي تحمل قلب الطفل وعينه. إنه معنى إضافي لا تمنحنا إياه الكلمات بل يحمله إلينا التكوين الطفولي النزق، التكوين الحرج. شاعر من مصر