توفيق رباحي
أكتب بعد ظهر الأربعاء ونسبة كبيرة من صحافيي القسم العربي بقناة ‘فرانس24’ مضربون عن العمل، ونقاباتهم مجتمعة مع الإدارة لمحاولة التوصل الى حل يرضي الجميع.
تناقشت مع أحد الصحافيين في الموضوع فوصف الأمر بأنه ‘ثورة عربية’ (على وزن مصر وتونس واليمن وليبيا) داخل الفضائية الفرنسية الدولية، بينما ترى مديرة القسم العربي أن في الأمر مبالغة، وأكثر من ذلك، قالت إنها مصدومة من حجم عنصرية بعض صحافيي القسم تجاه زملاء آخرين عرب مثلهم.
أحاول أن أتابع شؤون القسم العربي بـ’فرانس24′ منذ نشأته. منذ أذكر وأنا أسمع شكاوى كثيرة هي ذاتها التي لا آخر لها عن ظروف العمل وتدني الرواتب والمحسوبية والموالاة والظلم الإداري، كأنك في دائرة حكومية بالرباط أو صنعاء أو بغداد أو ‘حيّا الله’ عاصمة عربية! شكاوى من ذات الأسباب التي دفعت شعوبا عدة في المنطقة العربية الى الثورة على أنظمة الحكم ببلدانها. ربما هذا ما جعل ذلك الصحافي يصف الحالة في ‘فرانس24’ بالثورة العربية.
تتلخص مطالب الصحافيين في حل مشاكل مرتبطة مباشرة بالعمل في غرفة الأخبار وبالعلاقة مع الإدارة. سأتجاوز مطالب الرواتب والمنح وساعات العمل وغيرها، الى مطلب تصدر قائمة اتفقت عليها ستة فروع نقابية: إعادة النظر في أسلوب التوظيف بشكل يجعله أكثر شفافية ومصداقية ومساواة بين المترشحين.
للوهلة الأولى يبدو هذا المطلب الدرجة الأخيرة قبل ‘مرحلة الكمال’، لكن وراء الأكمة ما وراءها، كما قالت العرب العاربة.
يجسد هذا المطلب المسكوت عنه وحالة غضب في ‘فرانس24’ العربية مما قال صحافيون إنه هيمنة جنسية عربية معينة في التوظيف على الأخريات. بوضوح أكثر، وبعيدا عن أية رغبة في تأجيج المشاعر، المقصود هنا هم اللبنانيون. ما هو سائد في غرفة الأخبار هذه الأيام ودفع الى هذه الأزمة، أن مديرة القسم، السيدة ناهدة نكد، تفضّل اللبنانيين على العرب الآخرين في التوظيف، بحكم أنها لبنانية المنشأ. صحافي تابع ‘فرانس24’ منذ نشأتها قال لي ما يلي في هذا الخصوص: ‘تعاني التركيبة البشرية للقسم العربي بالقناة الفرنسية من اختلال في التوازن الديموغرافي. نصف عدد موظفيه تقريبا لبنانيون’. وأضاف مفضلا التكتم على هويته: ‘ظهرت على شاشة ‘فرانس24′ وجوه لبنانية لم يسبق لها أن قدّمت نشرات أخبار، بينما تتراكم طلبات التوظيف في قسم الموارد البشرية أرسلها صحافيون محترفون من دول المغرب العربي. تحول القسم العربي للقناة الفرنسية إلى مكتب هجرة’. ثم يسرد حالات مما يعتقد أنها تمثل عين المحاباة في التوظيف ومنح الترقيات الداخلية.
وهناك من صحافيي ‘فرانس24’، الذين يشعرون بالظلم، من يقول إن وزارة الخارجية الفرنسية ـ المشرفة إداريا على القناة ـ تلقت من مسؤولين كبار في دول مغاربية شكاوى، وتعبيرا عن القلق من ‘سياسة الإقصاء التي يعاني منها صحافيون متحدرون من المغرب العربي منذ تعيين ناهدة نكد على رأس القسم العربي’. دعت كل النقابات إلى إضراب تنديدا بالوضع الذي وصفته بالمقلق. طرحت الموضوع للتصويت فبلغت نسبة المشاركة أكثر من 81 بالمئة. أكثر من 76 بالمئة من المصوتين وافقوا على مبدأ الإضراب. الطريف في الأمر أن هذا التأزم يتزامن مع شعور بالنجاح والزهو مصدره ما يعتقد صحافيو ومسؤولو القسم العربي لـ’فرانس24′ أنه نجاح مهني في مواكبة وتغطية الثورات العربية المتسارعة. يحضرني في السياق قول جدّتي رحمها الله: ‘يا المزيّن من برّا واش حالك من الداخل’! لكن العاملين في القسم يرفضون، كما قال أحدهم، أن ينسب هذا النجاح لمديرة القسم ويريدون من الإدارة العليا للقناة أن تحقق في سياسة الرواتب والامتيازات.
تأخرنا وأنتم على حقسألت السيدة ناهدة نكد فاستغربت أن يصل الخلاف بسرعة الى إعلان الإضراب. قالت: ‘الإضراب هو آخر الحلول، ونحن لم نسنتفد بعد كل جهودنا ومساعينا، فلماذا القفز الى آخر الحلول؟’. كانت السيدة نكد تقصد اجتماعا عقدته يوم الاثنين مع نقابات الصحافيين، قالت إنه انتهى بموافقة الإدارة على الكثير من مطالب الصحافيين المتعلقة بعقود العمل والرواتب وساعات العمل وغيره. لكن النقابات لم تقتنع وتمسكت بالإضراب. كان هناك اجتماع آخر مبرمج ليوم الأربعاء، يوم الإضراب.
سألتها ‘على ماذا اختلفتم، أو بالأحرى ما الذي لم تتفقوا عليه في اجتماع الاثنين؟’، فقالت: ‘لا أفهم، ولا أرى شيئا بقي يستحق التمسك بالإضراب’. وأقرّت السيدة نكد بأن الكثير من مطالب المضربين مشروعة. واعترفت أيضا بأن الإدارة تأخرت في إيجاد حلول لبعض هذه المطالب ومنح الحقوق لأصحابها. لكنها بررت ذلك بكون القسم العربي انتقل الى البث 24 ساعة في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مما فرض تحديات ومشاكل أخرى لم تكن موجودة عندما كان البث مقتصرا على ساعات معدودة في اليوم.
والمبرر الآخر، من وجهة نظر مديرة القسم العربي، أن الثورات العربية المتلاحقة فرضت حجما كبيرا من العمل على صحافيي وموظفي القسم أتعب الجميع، ولم تترك للإدارة متسعا من الوقت للنظر في المشاكل المستجدة. قالت ‘أتعبتنا هذه الثورات وأربكتنا جميعا. أنا أعرف أن قنوات تلفزية عريقة وبأضعاف امكانياتنا أتعبتها متابعة هذه الثورات’. قالت إن أكثر ما يؤلمها أن شباب ‘فرانس24′ حققوا المعجزات مؤخرا (في تغطية الأحداث العربية) ثم يأتي الإضراب لينسف كل شيء’. ثم ننتقل الى الموضوع الحساس، الذي يتكلم فيه الجميع ولا يسميه أحد بالاسم: اللبننة!
بدأت السيدة نكد بحديث عن صرامة القوانين الفرنسية في منح فرص المساواة للجميع بغض النظر عن الدين والعرق واللون والجنس، وكلها تمنع تفضيل عرق أو جنسية أو ديانة على أخرى. أسألها: يا سيدة نكد، هذه نصوص نظرية منزّهة وجميلة.. حدّثيني عن الواقع: ‘هل أنتم فعلا بدقة وصرامة ونزاهة القوانين؟’. تجيب: ‘نعم. ولولا أن القانون يمنعني من ذكر الناس بانتماءاتهم وجنسياتهم، لسردت عليك أرقاما بتفاصيل ما لدينا من موظفين’. تصر مديرة القسم العربي لـ’فرانس24′ على رفض ادعاءات الصحافيين المشتكين من أنها تفضل اللبنانيين على غيرهم من العرب. قالت إن طرق التوظيف محددة ومعلومة لا يستطيع أحد القفز عليها، و’شخصيا أشجع كل اللهجات العربية بدون استثناء’. وأضافت بوضوح: ‘أنا مصدومة من هذه الاتهامات غير المقبولة وغير النزيهة والعنصرية’. وتصر: ‘إنها عنصرية من عرب تجاه عرب آخرين. لم أتخيل لحظة واحدة أن أسمع في القسم العربي بين العرب من يقول: هذا فلسطيني وذاك سوداني والآخر لبناني. لا أفهم كيف يسمحون بنشر هذا الكلام الخطير ونحن كنا في الثورات العربية نهنئ بعض و(عمّ نبوّس) بعض بغض النظر عن الجنسية’. أسأل مجددا: ‘طيّب، ما تفسيرك لهذه الاتهامات والحساسيات.. هل جاءت من فراغ؟’، فترد ‘يجب الحكم على الصحافيين من عملهم وليس جنسيتهم. لا يوجد شخص واحد اخترناه للعمل على الهواء فقط لكونه لبناني الجنسية’. هناك اعتقاد سائد في الوسط الإعلامي والسياسي الفرنسي مفاده أن أزمة ‘فرانس 24’ ـ أو عدم تفوقها بشكل فائق ـ والقسم العربي بالخصوص، مؤشر على الغموض الذي يعاني منه الإعلام الخارجي الفرنسي، الذي يفقد فرنسا مصداقيتها في المنطقة العربية. يرددون في صالونات السياسة أن صوت فرنسا في العالم مبحوح، والقناة التي أرادها الرئيس السابق جاك شيراك أن تكون صوت فرنسا في العالم هي اليوم أمام اختبار. عذب الكلامـ أفرزت الثورات العربية ظواهر لغوية/تلفزيونية لافتة. بعد ‘هرمناااااااا من أجل ههههــــــــــذه اللحظة التاريخية’ و’يا توانسة معدش تخافوا.. بن علي هرب’، هناك أخرى أتمنى أن ينتبه إليها أصحاب الفضائيات ويضعوها في فواصل الاستراحة من همّ الأخبار.
موطنها اليمن وصاحبها مواطن يمني. يقول الشاب أمام ميكروفون تلفزيوني معلقا على الموقف الأمريكي من الثورة في بلاده: نريد من الأمريكيين موقفا أكثر صراحة من تنحي علي عبد الله صالح.. إذا وافق الأمريكيون أن يحكمهم أوباما 33 سنة، فنحن نقبل أن يحكمنا هذا الرجل 60 سنة’ من دون ذكر اسم أو صفة الرئيس علي صالح! كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]