الموقف التركي من الثورتين الشعبيتين في سورية وليبيا

حجم الخط
0

مخيب للآمال، أو على الأقل أعطى انطباعاً عند كثير من الناس بأن تركيا لا تقف مع الشعوب المقهورة، حسبما تصوَّر وتخيَّل كثير منا في وقت مضى، وعلق الآمال على دور تركي فاعل وإيجابي يحقق التوازن في المنطقة، ففي ليبيا حرصت تركيا رغم آلاف الشهداء والضحايا من المدنيين على أن تقف ـ كما يقال – على مسافة واحدة من الجميع وساوت الضحية بالجلاد، بل ربما مال الموقف أحياناً إلى الطاغية القذافي، وكأنها – كما يبدو أيضاً – لا ترى مشكلة في استمرار مجازر القذافي التي يتفطر لها القلب وتقشعر لهولها الأبدان! ويتكرر الموقف الداعم للنظام السوري القمعي الذي قتل ما يزيد على 300 مواطن وآلاف الجرحى والمعتقلين، في أيام معدودة، لكنه هنا يبدو واضحاً صريحاً، فأردوغان يبيح لنفسه أن يقول: انه لن يسمح أن يلحق أي أذى بسورية واستقرارها! ويدندن حولها هو ووزير خارجيته وكثير من المسؤولين الأتراك. والسؤال المطروح هنا: لماذا يحرص أردوغان على دعم وتأييد أعتى نظامين قمعيين بالمنطقة؟ وهل هذا من مصلحة تركيا والدور العالمي والشعبي الذي تطمح أن تلعبه؟ وكثيرٌ من الناس يسأل: هل يختلف الضحايا في ليبيا أو في سورية عن أهل غزة؟ ولماذا دماء السوريين والليبيين حلال ودماء أهلنا في غزة حرام؟ أم أن البكاء أو التباكي على المحرقة الفلسطينية ـ كما يقول بعضهم – بات وسيلة للتقرب من الشعوب وكسب القلوب، وبالتالي تحقيق المصالح والمكاسب الدعائية بالمجان وشيء من الدموع على الطريقة الإيرانية، أما الدماء في سورية وليبيا فلا قيمة لها ما دامت المصلحة في بقاء المجرمين، وفي هذه النقطة بالذات تشترك تركيا وإيران! بل لا يكاد أردوغان يختلف عن غيره من قادة الغرب في بحثه عن مصلحته فقط وإن تغنى بحقوق الإنسان والديمقراطية. يقول المحللون: إن مصلحته أردوغان مع النظام السوري الحالي تتمثل في الناحية التجارية، حيث باتت سورية سوقاً للبضائع التركية، وقد يفسر بعضهم موقف أردوغان بأنه براغماتي وأنه رجل سياسة، ويهدف إلى احتواء شريحة عريضة من شعبه (العلويين عشرة ملايين أو يزيد) وامتصاص نقمتهم على الدولة التركية التي مارست معهم سياسة التهميش والهضم وإنكار خصوصيتهم الدينية والثقافية.. ربما! فالرجل يخشى من اختلال الأمن وحدوث الفوضى واشتعال الطائفية في سورية، ومن ثم تنتقل إلى بلده، كذلك الأكراد الذين يشكلون مشكلة مؤرقة لتركيا سوف يكون لهم دعم من أكراد سورية إذا ما زال النظام السوري أو ضعفت قبضته، وهو ما فتئ يكبح مطالب الأكراد ويمنعهم من المطالبة بالحقوق وهذا جيد ومريح بالنسبة لتركيا، فما الذي يضمن بعد زوال النظام السوري بقاء الحال على ما هو عليه! كما أن تركيا تريد الحفاظ على مكتسباتها من النظام السوري الذي يمكنها من لعب دور دبلوماسي كبير في مسألة التفاوض مع إسرائيل، كذا تنازل لها عن لواء الاسكندرون، فهي لا تريد نظاماً وطنياً يجدد المطالبة به. كما أن علاقة تركيا مع النظام السوري حميمية، ويؤكد هذا نصائح أردوغان المتكررة للأسد وموقفه السلبي من الثورة ومن الشعب السوري، فهو لم يصدر عنه أي تنديد أو رفض للقمع الذي يمارسه النظام الإجرامي في سورية! أظن أن هذه الحقائق أو المخاوف هي التي حملت تركيا على تجاهل مطالب الشعب السوري، وجعلها تدوس على الشهداء والمعتقلين والمظلومين في سورية. وإذا كان أردوغان ووزير خارجيته أوغلو يدعم جهود الحكومة السورية لتقديم إصلاحات سياسية – كما هو معلن ـ ‘لضمان رخاء الشعب السوري وتعزيز أمنه واستقراره’. فإن هذا الكلام يمكن قبوله في العموم، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن النظام كان وسيبقى عاجزا تماما عن اتخاذ أي إصلاحيات جدية وفي أي اتجاه، فقد اتسع الخرق على الراقع، ولأن الفساد الذي يمثله النظام ورأس النظام لا يحتمل وبأي صورة أحزابا معارضة جدية أو حقوقا مدنية أو حريات حقيقة لا شكلية!

وهل يستطيع أو يملك بشار الأسد، أن يحاسب آل الأسد عن المليارات التي يمتلكونها، أو يحاسب رامي مخلوف وشاليش وقاليش عن استثماراتهم وتجارتهم واحتكاراتهم التي تهيمن على الاقتصاد السوري؟ وهل يقدر النظام على الإجابة عن مداخيل النفط؟ وأين تذهب؟ وهل يستطيع محاسبة مراكز القوة ومتنفذي الأمن عن مجازرهم في درعا ودوما واللاذقية؟ لكن السؤال الأهم الآن هو: هل يجرؤ هذا النظام على إحداث إصلاحات ومنح حريات، يكون من نتائجها الطبيعية واستحقاقاتها الديمقراطية إنهاء حكم الطائفة العلوية وعلى رأسها عائلة الأسد، بل أبعد من ذلك وهو محاسبته ومحاسبة نظامه على مجازره البشعة، بدءا من مجزرة حماة المروعة التي فاقت كفر قاسم ودير ياسين ومجازر غزة، دموية وهمجية وقبحاً، ثم مجزرة سجن تدمر، ومروراً بمجزرة سجن صيدنايا، في صيف 2008، حيث تمت تصفية أكثر من مئتي سجين! وأخيراً وليس آخراً طبعاً وادي الدم والذبح الذي سفك في درعا والصنمين والمعضمية ودوما واللاذقية وحمص وغيرها. إن إحداث إصلاحات حقيقية ومنح حريات يهدد ويعري شرعية بشار الأسد نفسه، فهو رئيس بالوراثة لرئيس جاء على ظهر دبابة أي (ضغث على إبالة) كما تقول العرب، فأي شرعية له! والإصلاحات ستفضي حتماً إلى هذه النتائج عاجلاً أو آجلاً، وهو يدرك ذلك تماماً، وهو ما يخشاه هو ونظامه، ولن يسمح به، ولذلك فإن ثورة سورية ستشق طريقها إلى النهاية، وقد بدأت منذ لحظاتها الأولى بسيل من الدم وستنتهي ببحار من الدم، لكن الحرية سلعة غالية والكرامة أغلى والثمن باهظ، ولنكن صريحين! الإصلاحات الحقيقية في هذا النظام (في الاقتصاد، في الحكم وفي حقوق المواطن) معناها إبداء ضعف وانتحارٌ طوعيّ ٌ من جانبه، ونظام البعث ورئيسه الأسد يدرك ذلك، وهو بالمناسبة ذكي وليس كما يقال انه يتمتع بغباء منقطع النظير! إن ‘ثورة ياسمين’ مثلما حدث في تونس أو مصر، حلمٌ في الحالة السورية. أمامنا فقط ثورة دموية، وسيناريو أبشع من الحالة الليبية، ونقول بكل صراحة كيلا يفاجأ الثوار وتكل هممهم: ترقبوا القمع الوحشي وسيلا من الدماء الزكية والقتل والذبح والمجازر والعالم الصامت والجيران الذين يكتفون بمتابعة الموقف والقلق أو المؤازرة من بعضهم إذا اقتضى الموقف، والأمم المتحدة التي تشجب وتندد، ولجان حقوق الإنسان التي تستصرخ الضمير الإنساني والعالمي الذي يغطُّ في سبات عميق!

مرة أخرى: أبدي أسفي ويشاطرني الشعب السوري الأسف من الموقف التركي والخطاب الداعم للأيدي الملطخة بدم الشعب السوري، المغطى باسم دعم ورقة الإصلاحات المخدرة عديمة المعنى التي تضمن لنظام آل الأسد ومخلوف وآصف شوكت والعصابة استمرار السيطرة، وإجهاض ثورته وامتصاص نقمته لكن نبشرهم بأن الشعب كسر حاجز الخوف وخرج ولن يعود ومضى ولن يتوقف! والحاصل: أن خسارة الزعيم العثماني الطامح في زعامة العالم الإسلامي في مواقفه الأخيرة من الشعبين في ليبيا وسورية أكثر من المكاسب، ربما أراد الحفاظ على بعض مكاسبه من النظام لكنه خسر الشعب، والنظام فان، والشعب هو وحده الباقي، وكثيرٌ ممن كانوا يراهنون عليه في إحداث التوازن المفقود بعد سقوط العراق وإعدام زعيمه في يوم النحر الأكبر، قد خابت آمالهم وتبخرت أحلامهم. وأخيراً نقول لأردوغان مثلما قال هو نفسه لمبارك: الدنيا فانية ونحن فانون ومسؤولون عن مواقفنا وأقوالنا، والكلام كثير والجرح له غور! محمد علي ـ دمشق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية