نهايته التراجيدية اختارته بسبب مشروعه الفني والفكري والسياسي: مشروع الحرية رجا زعاترة’هحافيغ غادجا!’ (الرفيق رجا) كان يقول بصوته الجهور، كلما احتدّ النقاش. وكان يحتدّ أحيانا. التقيته للمرّة الأولى في تل أبيب في 4 نيسان/ابريل 2002، قبالة السفارة الأمريكية، من جهة البحر. كنت أقطع الشارع الموازي للشاطئ نحو المظاهرة الحاشدة، وإذ برجل طويل مفتول العضلات، يرتدي قميصا أسود عليه رقعة صفراء بشكل نجمة داوود، على كتفيه شابة تلبس نفس القميص وتنتفض إلى أعلى وهي تهتف ضد جرائم الاحتلال في جنين وأخواتها. مع توالي اللقاءات والمظاهرات، لاحظت أنّ جوليانو، أو ‘جول’ كما كنا نناديه، احترف تحويل المواجهة مع الشرطة إلى متوالية من المشاهد التي لا يمكن توقع اتجاهها الدرامي. لكن كان واضحا أنّ حضوره سيُحدث شيئا استثنائيا.
فجرَ الاثنين، الرابع من ابريل 2011، هطل مطرٌ شديد في حيفا. مطر وعواصف. كأنّ السماء تريد أن تقول شيئا ما مهما. لم أكن أعلم، خلال مقاومتي لأزيز شباك غرفتي، أنّ أزيزا من الرصاص سيخترق جسد جول عصرا.
هل، ببدايته الجديدة، إن اعتبرنا عودته إلى جنين بداية جديدة، اختار جول نهايته بيده؟ ربما.. لكن المؤكد هو أنّ نهايته اختارته بسبب هذه البداية. ‘نظريات المؤامرة’ ليس مخطئة دائما. وهنا، ليس من المستبعد أن تكون هناك ‘يد موجهة’، بطريقة أو بأخرى، من طرف جهة ‘أمنية’ إسرائيلية، لاغتيال فنان تقدّمي ‘يهودي’ في مخيم لاجئين فلسطيني. ولكن هذا الحل الأسهل. لو كان جول بيننا الآن، لضحك ملء شدقيه وتجرّع رشفة أخرى من كأس ‘البلاك ليبل’ وطفق يتلو مونولوجا لاذعا وممتعا في الوقت ذاته عن ‘تخلـّف العرب’. نعرف اليوم ما كنا نعرفه من ذي قبل ولم نتعامل معه بالجدية الكافية، أنّ جول نفسه كان مهددا بالقتل، وليس من طرف ‘الشاباك’. تهديد خرج إلى حيّز التنفيذ. ويبدو أنّ نظرية ‘من يريد أن يفعل شيئا لا يهدّد’، بدورها، ليست صحيحة دائما.
كان بإمكان جول أن يظل حبيس دور ‘الخروف الأسود’ في قطيع الإجماع المهيمن على معظم المشهد الفني الإسرائيلي، مسرحا وسينما. كان بإمكانه أن يواصل تخبطاته الوجودية والهوياتية في شقة لطيفة في تل أبيب، أو أن يبحث عن ‘دور عربي’ في فيلم هوليوودي طويل. كان بوسعه، أيضا، أن يجلس في حيفا ويصبّ جام ضجره ويأسه وإحباطه على الظروف ويلعن الظلام. ولكنه اختار طريقا آخر. طريق البقاء والمواجهة والبناء. الطريق الذي أوصله إلى ‘مسرح الحرية’ وإلى نهايته التراجيدية.
البداية لم تكن أقل ثورية؛ في شهادة نشرتها في ‘الاتحاد’ الحيفاوية قبل ثلاثة أعوام حول انتفاضة أيار 1958، روت الرفيقة نبيهة مرقس (أم نرجس): ‘ما أن وصلنا ساحة العين (في الناصرة ر.
ز) حتى رأينا أمامنا انتفاضة تقوم بها جماهيرنا والحجارة تملأ الشارع الرئيسي وسيارات الجيب التابعة للشرطة مقلوبة ومحطمة وخوذ الشرطة ملقاة على الأرض. فانضممنا للمتظاهرات فورا، وأول ما شاهدته في مقدمة المظاهرة النسائية كانت الرفيقة المرحومة آرنا خميس، التي كانت حاملا في أشهرها الأخيرة بابنها جوليانو، وهي تتصبب عرقا وتهتف بالشعارات هي وباقي رفيقاتنا من الناصرة وغيرها، الأمر الذي جعل الشرطة تعتدي عليها وعلينا وتدفعنا بقوة وبالهراوات ونحن نقاوم ونواصل التظاهر مع رفاقنا ونجمع الحجارة لنقذفها ثانية على الشرطة’. لعلّ السنوات التي قضاها في تشيكوسوفاكيا ثم الاتحاد السوفييتي، وكونه أصلا ابنا لأب عربي فلسطيني وأم يهودية إسرائيلية، ثم خدمته في الجيش الإسرائيلي، قد أجّجت لديه سؤال الهوية. العودة إلى جنين لم تكن خيارا سياسيا فقط، بل خيارا وجوديا بالنسبة له كفنان. من دون تنظيرات كثيرة، قدّم جول نموذجا للمسرح الثوري، الذي يجلب المسرح إلى الناس وليس الناس إلى المسرح، ويخلق مسرحا للجمهور وليس جمهورا للمسرح. ولكنه لم يكن بحاجة للمباشرة الفجّة أو لافتعالات سياسية مُمسرحة. فان تنشئ فرقة مسرح من أطفال لاجئين فلسطينيين، أن تخرج ‘أليس في بلاد العجائب’ في مخيم جنين، هو فعل سياسي خطير، أخشى أن يكون أعداء شعبنا (الخارجيون والداخليون) أكثر إدراكا لخطورته وقيمته من معظم شعبنا. كم أشعر بالحزن الآن لأنني لم ألب دعواته المتكرّرة لزيارة المسرح.
مساء الأربعاء، وجدتُ النص التالي في موقع فلسطيني، تعقيبا على خبر اعتقال مشتبه بالاغتيال في جنين: ‘يا أخوة من يوم ما فتح المسرح في جنين بتمشي بشوارع جنين بتحس حالك في تل أبيب. بنات أجنبيات عرايا مع بنات عربيات محجبات (…) وشباب أجانب وشباب فلسطينيين منهم من كان كتائب أقصى اللهم صلي على النبي.. وكلهم فايعين بجنين وعرض بدون أزياء والشباب الصغير 14 و 15 سنة متجمهرين وتاركين مدارسهم وأعمالهم طبعا ناهيك عن الكبار’. مرة أخرى: لا يمكننا الجزم ببراءة الأيدي إياها من الجريمة براءة الذئب من دم يوسف، ولكن من الواضح أنّ بعض ‘أخوة’ جول لم يحبوه ولم يستسيغوا مشروعه الفكري والسياسي، مشروع الحرية. المسرحية الأولى (والأخيرة) التي أخرجها في حيفا، ‘العذراء والموت’ لكاتب تشيلي من معارضي نظام بينوشيه العسكري، كان يمكن بسهولة أن تُحصر في السياق الفاشي الإسرائيلي الراهن. ولكنه شدّد على صرخة البطلة المغتصبة ضد الكبت، حتى في مجتمع ما بعد ‘إسقاط النظام’، حاثا النساء على رفض الخنوع والدفاع عن كرامتهن. وكأنّه يقول: ليس فقط أن الحرية الشخصية ملازمة للحرية الوطنية، بل أن الأولى شرط ضروري، يكاد يكون مسبقا، للثانية. فإلى متى سنظل نؤجّل ‘الأمور الثانوية’ حتى إحقاق ‘القضايا الكبرى’، ونحن نرى بأم أعيننا أنّ تلك ‘الثانويات’ باتت تحاصرنا، بل وتقتلنا، كشعب وكمجتمع وكأفراد؟ هذا السؤال، الذي كانت إجابات جول عليه واضحة ومطلقة، كان ذا صلة قبل 4.4.2011، ولكن موته يجعله سؤالا لم يعد بإمكان أحد تجاهله أو تأجيله أو تمييعه. صحافي فلسطيني (حيفا)