إلى متى يا قلب؟

حجم الخط
0

عزت القمحاوي

قد يستطعم اللسان مذاق الحلو المالح في المطعم المغربي، لكن كم يستطيع القلب أن يحتمل تذبذب المشاعر والمعنويات بين الهبوط إلى الأرض والتحليق في السماء؟!

بعد ثلاثين عاما من الاستقرار على الكمد يجرب المصريون حالة غريبة من مشاعر القلق والفرح والخوف والإحباط والأمل. خلطة غريبة من المشاعر تتناوب على القلب في اليوم الواحد منذ 25 يناير وإلى أجل غير مسمى.

لا تشبه مشاعر المصريين بعد خلع المخلوع إلا مؤشر بورصة نظامه، التي جعلوا منها فخا ومقبرة لأموال المودعين الصغار، يتلاعبون بها صعودا ويبيعون حصصهم ثم هبوطا إلى الحضيض ليستعيدوا ما باعوه بربع ما قبضوا. وقد كان هذا قدر البسطاء الذين وقعوا في حبائلهم، لكنهم أوقعوا كل المصريين الآن في بورصة المشاعر المتضاربة التي لا قبل لقلب سليم بتحملها وقتا طويلا.

لا أحد يعرف إلى متى يمكن أن يظل هذا الوضع محتملا، وبالتالي: كيف لا تتحول الأغلبية غير الواعية والمتعجلة للثمار إلى قوة ضد الثورة.’ ‘ ‘كان الحزن وافتقاد الأمل عنوانا عاما لمرحلة من أعجب مراحل اضمحلال الدولة المصرية. وهناك الكثير من المصريين كانوا يعرفون حجم الفساد المسيطر على بلاط الرئيس الأكثر بلادة في العالم، إما بحكم التسريبات من الإعلام المنفتح نسبيا أو بحكم وقوع الضحايا في حوادث غرق العبّارات واحتراق القطارات أو بحكم وقوع بعض الرؤوس المقربة من القصر، لا في إطار التطهير، بل في إطار توازن الفساد بين اللاعبين الذين يوقع بعضهم بالبعض الآخر.

ورغم هذه المعرفة شبه اليقينية بحجم التدمير الذي وقع بمصر، إلا أن احتلال المحاكمات ثلثي صفحات أية جريدة يومية صار فوق احتمال المصريين، والمدهش في الأمر أن التباطؤ في المحاكمة هو أحد المخاوف التي تحرك ثوار 25 يناير.

وهؤلاء هم النواة الأكثر صلابة والأكثر براءة ووعيا الذين خرجوا في اليوم الأول من دون قوى كالإخوان وبعض أعضاء الأحزاب القديمة وأصحاب المظالم الاقتصادية.

أخبار المحاكمات من الكثرة بحيث لا يمكن للأرواح المستقيمة أن تتحمل عددها، ومع ذلك فالمطلوب أكثر، والتأخير في الإمساك برؤوس الخراب تجاوز الشهرين حتى تمكنوا من ترتيب بعض أوراقهم. الأركان الأكثر شيطانية في المنظومة الخيالية المنفصلة عن الشعب بدأت محاكماتهم هذا الأسبوع، وهذا من جهة يمس القلب بالرضا، ومن جهة أخرى يبدو مدهشا ألا تكون هناك محكمة للثورة تحاكم على الخسارات الكبرى من رأس المال الرمزي للدولة المصرية. المحاكمات تنتظر تقدم شخص أو جهة ما بمستندات لكي تتم محاكمة هذا المسؤول السابق أو ذاك عن تضخم الثروات بالطرق غير المشروعة، وإذا لم يتقدم أحد يظل الفاسدون طلقاء، على الرغم من أننا نرى الخشبة في العين.

الطلقاء نعرفهم طوال ابتلائنا بمحنة حكم مبارك، نعرف أنهم يفتقدون إلى الحياء السياسي، وإلا لنهبوا مصر بهدوء كما تنهب الأوطان عادة وليس على طريقة قطاع طريق يفرغون شاحنة. ولا يمكن لأحد أن يتوقع سقوط الحياء السياسي فوق رؤوسهم كمطر من السماء لكي يلتزموا الظل. هم لا يعرفون الحلول الوسط، ومن لم يودع السجن يظل في الحكم أو يحرك أتباعه في مكاتب الحكومة والبلطجية من وراء ستار، كما حدث مؤخرا في مباراة الفريقين المصري والتونسي بالقاهرة، وكما يحدث في اختيارات المناصب في عهد الثورة التي نلمح فيها أيدي القدامى.’ ‘ ‘حتى أيام مضت كان فتحي سرور رئيس البرلمان على مدى عقدين يتحدث للصحف عن نصائحه الديمقراطية التي لم ينتصح بها الرئيس ولا زوجة الرئيس ولا ابن الرئيس ولا الطبال الذي قاد أسرة الرئيس إلى الدمار!

كاد فتحي شرور أن يكون من ثوار التحرير، أما رئيس الديوان المباركي زكريا عزمي الذي حجز لنفسه دور المعارضة في المسرحية السمجة، فقد اكتشفنا أنه يدير الديوان حتى يوم ترحيله للحبس متبجحا بأنه في مكانه حتى تسليم ‘مؤسسة الرئاسة’ لرئيس جديد.

من النكت التي أذهلت المصريين في مسرحية الحكم البليد كانت صرخة زكريا عزمي تحت قبة البرلمان: ‘الفساد أصبح للركب’ وكان يتوخى من هذا الاعتراف المزايدة على المعارضة، فهو واحد من النظام ويتحدث بشجاعة عن فساد، وهذا معناه أن الحكم الذي يعرف بوجود الفساد سوف يقود التطهير. والحقيقة أن ذلك الكلام كان للاستهلاك في أوساط سلطة تحولت إلى ديوان كبير للإنشاء، كما كانت الصرخة تزييفا صراحا؛ فالفساد كان للآذان وليس لمنتصف الساق.’ ‘ ‘أخيرا وقف الألعبان أمام القضاء وسيتبعه جمال مبارك وراسبوتين البلاط المصري صفوت الشريف، بتهم الكسب غير المشروع، وهي خطوة تهدىء قليلا من نبض القلق على الثورة، وأفضل قليلا من تركهم طلقاء، لكن هذه التهم لا شيء أمام ما خسرته مصر من ممارساتهم الإجرامية بحق شعبها ومكانتها الإقليمية.

تضخم الثروة لا يعني شيئا إذا ما قيس بتآكل قوة الحب وقوة الذراع المصرية في أفريقيا إلى حد تهديد المصريين في حصتهم من ماء النيل. واقتياد جمال مبارك في تهمة التهرب من إقرار ضريبي لا تعني شيئا أمام فضح البلاد على يديه، وكشف وضاعة الحكم فيها أمام الأعداء في واقعة طلب العمولات في صفقة الغاز.

كيف كنا نتوقع أن تتصرف إسرائيل مع الجسد العربي وهي تعرف أن العضو الأشد منه ‘مصر’ تمتد يده للسمسرة والرشوة باسم نجلي الرئيس، صاحب الضربة الجوية الأولى الخاطفة ضد إسرائيل والضربة الطويلة التي صوبها طوال ثلاثين عاما ضد قلب مصر؟!

إلى متى يحتمل القلب الموجوع القليل من الحلو والكثير من المالح والحار والمر؟ وإلى متى يظل الجيش والشعب يدا واحدة في ظل الإشارات المتضاربة؟

هذا ما يغلف الطبخة بطعم الخوف الذي لا يغادرنا حتى في الأحلام.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية