قصيدة الوداع ‘لا أعرف الشخصَ الغريبَ’ للشاعر الراحل محمود درويش..

حجم الخط
0

ماء العينين سيدي بويه لا أعرف الشخصَ الغريبَ ولا مآثرهُ رأيتُ جنازةً فمشيتُ خلف النعش، مثل الآخرين مطأطئ الرأس احتراماً. لمأجد سبباً لأسأل: مَنْ هُو الشخصُ الغريبُ؟

وأين عاش، وكيف مات فإن أسبابالوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة سألتُ نفسي: هل يرانا أم يرىعَدَماً ويأسفُ للنهاية؟ كنت أعلم أنهلن يفتح النَّعشَ المُغَطَّى بالبنفسج كييُودِّعَنا ويشكرنا ويهمسَ بالحقيقة(ما الحقيقة؟)رُبَّما هُوَ مثلنا في هذهالساعات يطوي ظلَّهُ. لكنَّهُ هُوَ وحدهالشخصُ الذي لم يَبْكِ في هذا الصباح، ولم يَرَ الموت المحلِّقَ فوقنا كالصقرفأحياء هم أَبناءُ عَمِّ الموت، والموتىنيام هادئون وهادئون وهادئون ولم أَجد سبباً لأسأل: من هو الشخصالغريب وما اسمه؟ لا برقيلمع في اسمه والسائرون وراءهعشرون شخصاً ما عدايوتُهْتُ في قلبي على باب الكنيسة:

ربما هو كاتبٌ أو عاملٌ أو لاجئٌأو سارقٌ، أو قاتلٌ… لا فرق، فالموتى سواسِيَةٌ أمام الموت.. لا يتكلمونوربما لا يحلمون. وقد تكون جنازةُ الشخصِ الغريب جنازتيلكنَّ أَمراً ما إلهياً يُؤَجِّلُهالأسبابٍ عديدة.

ْ (محمود درويش) قصيدة ‘لا أعرف الشخص الغريب’ للشاعر الراحل محمود درويش تجعل منك شخصا غريبا وأنت تسمعها لأول وهلة إلقاء بالصوت الجهوري والمزمار الداودي لصاحبها. فكل سطر أو بيت أو مقطع يرحل بك إلى شيء غريب ليس سهلا اكتشاف ما هو؟ وقد تكون القراءة المتمعنة للقصيدة أكثر غرابة.

لقد كررت الاستماع إلى القصيدة بصوت الشاعر درويش مرات عدة، قبل نقلها كتابيا إلى ورقتي، فلم أذهب إليها في الديوان الذي نشرت فيه وذلك لسبب بسيط هو أني أحسست أن كمون وعمق صوت درويش قد حمل القصيدة من رقعة الكتابة التي غالبا ما تطوى بين ردهات الكتب أو من الموت والنسيان إلى إشعاع الحياة والاستمرار بصوت دافئ، قويورائع، ولا أحد ينكر طلائعية محمود درويش في ذلك.

لذلك وأنا أقرأ القصيدة حاولت البحث عن الشخص الغريب وعن مآثره وعن موته المؤجللخطأ بسيط في القصيدة. مع ظني المقدم أن البحث عن الغرباء أمر صعب وشيء صعب، وحتى يتسنى لي إيجاد أثر ولو بسيط يدل على الشخص الغريب في قصيدة درويش عملت على تقسيم القصيدة إلى أربعة مقاطع:

المقطع الأول:

إذا كان الشاعر محمود درويش قد استهل القصيدة بذات عنوانها، نافيا أنه يعرفالشخص الغريب أو مآثره ولا أين عاش وحتى كيف مات، ورغم كم هائل من الاستفهام، والاستغراب، فإن الشاعر يمشي خلف جنازته. إذن هنا ومنذ البداية تعلن القصيدةالسير خلف سؤال وجودي، إنها تسأل عن الموجود الغريب في الوجود، العالم. كماتنفتح على الغرابة بمجرد إعلان صاحبها عن عدم وجود سبب ليسأل عن الشخص الغريب، ولأن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة، أو وجع السعادة منذ اول صرخة فيالوجود.

المقطع الثاني:

سألت نفسي… هنا تبدأ رحلة كشف الحجب والغرابة، فهل الإنسان غريب (أو ذاتالشاعر) لأنه يعرف أن الموت مصير لا يستطيع أي كان العودة منه إلى الحياة، إلىالوجود بلغة الطريق المستحيل. ولهذا يستمر سؤال البحث عن الحقيقة، ما الحقيقة؟

؟ يسأل الشاعر هل هي وجع الحياة، أم في النعش المغطى بالبنفسج أم في استراحة الميت من هاجس الموت؟ واللون البنفسجي في نقد الحكم الذوقي للفيلسوف كانط قد يكون لطيفا ومحبوبا بالنسبة لشخص ما، وفي نفس الوقت يكون ميتا و ذابلا بالنسبة لشخص آخر.

وبالتالي فالأحياء وحدهم من يترقب صقر الموت المحلق وينتظرون انقضاضه في أيلحظة، وعلى الرغم من أن الموتى أبناء عم الأحياء فإن هؤلاء حائرون، أما الموتى فهادئون وهانئون لسبب بسيط يتمثل في أنهم وحدهم من يعرف ماذا هناك.

المقطع الثالث:

يتابع الشاعر سيره خلف النعش دون البحث عن سبب لسؤال عن اسم الشخص الغريب، وقدوصل عدد الجمع المشيع لجنازته إلى عشرين. فلماذا هذا العدد؟ لماذا ليس أكثر أو أقل؟ فمن كان الشخص الغريب، هل هو كاتب أم هو محمود درويش؟ هل هو عامل او لاجئ فلسطيني؟ أو سارق أو قاتل؟… إن الحسم في معرفة هوية الشخص الغريب أمام مصيرالموت تبقى مجهولة.

المقطع الرابع:

وقد تكون جنازة الشخص الغريب، جنازة محمود درويش. ولكن امرا إلهيا يؤجلها لأسبابعديدة من بينها خطأ كبير في القصيدة.

إنها إرادة الحياة والكتابة التي تؤجل وفاة الشخص الغريب إلى حين.

وعلى الرغم من وفاة الشاعر الكبير محمود درويش، فهل وفاته ما زالت مؤجلة؟ نعم هي كذلك، لأن مآثره واسمه ونعشه والحقيقة التي صار وحده يعرفها، ثم في كلامه وأحلامه والخطأ الكبير في القصيدة، هي ما يتأجج في قصائده ويجعله الحاضر بيننا كل يوم رفقة صقر الموت.

لقد كان محمود درويش كما قال المفكر صبحي حديدي يحب قصائد ‘ديريك ولكوت’ ولاسيما تلك الملحمية والغنائية والرثائية التي تودع خواتم العمر على نهج مالك بن الريب وتلقي تحيات أخيرة ثاقبة بصريا وشعريا وإنسانيا (‘القدس العربي’24/05/2010). وقصيدة ‘لا اعرف الشخص الغريب’ هي كذلك قصيدة رثائية لشاعر ملحمي انجبته أرض المقدس، ودعنا قبل لفظ روحه برؤى كأن الحجب كشفت له، وألقى تحيات ستخلدها قصائده.

المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية