لا تستطيع حكومة (بنيامين نتنياهو) اليمينية ومعها شرائح كثيرة من المجتمع الاسرائيلي اخفاء قلقها من ظاهرة التطورات التي شهدتها العديد من دول الشرق الاوسط في الآونة الأخيرة، خاصة في تونس ومصر، ومن ثم اليمن والبحرين وليبيا والسعودية وسورية ومعضلة الشعب في المغرب الذي يغوص في اوحال التخلف والحكم الاستبدادي وقمع الاسرة المالكة، هذا اضافة الى سقوط حكومة سعد الحريري في لبنان.
كل المعطيات تشير الى ان هذه التطورات (قد هزت بدن اسرائيل) واجبرتها على وضع استراتيجية جديدة استعدادا لتعاملها مع الاحداث، لأن اسرائيل اعتادات دائماً على الاحتفاظ بخطط (شليفن) جديدة في عدوانها لأستخدامها وقت الحاجة، وقد كانت دائماً هي المبادرة في عدوانها على الجبهات مع الدول العربية، ومما هو جدير بالذكر بأن المانيا القيصرية والمانيا النازية وضعت مثل هذه الخطط العدوانية.
لقد عبر نتنياهو ووزير حربه ايهود باراك اكثر من مرة عن هذا القلق على اعتبار انه سوف يؤثر على مستقبل العلاقات والتعاون بين اسرائيل والانظمة العربية المذكورة، ان هذا التعبير عن القلق الاسرائيلي ربما يكون مؤشراً وصورة من صور الاستعدادات الاسرائيلية للمرحلة القادمة، رغم توفر تصريحات الاطمئنان بان كل شيء سوف يبقى على حاله، وبأن التغيرات التي حدثت في مصر وتونس خاصة لم تزعزع حالة الاستقرار في المنطقة، ولم تغلق باباً واحداً من ابواب التطبيع التي فتحها السادات ومبارك على مصراعيها. في مقدمة ارصدة الاطمئنان التي توضع تحت تصرف اسرائيل تقف المظلة الامريكية، فالولايات المتحدة لا زالت تملك حرية العمل والتأثير داخل العواصم العربية، خاصة تلك العواصم التي تجاوزت بها احداث الثورة مرحلتها الأولى، وهي مرحلة اسقاط الأنظمة، فالولايات المتحدة لا تكتف بالوقوف وراء سياج الاحداث، فهي لا زالت قادرة على التدخل في الكثير من قرارات قادة الانظمة الجديدة في كل من القاهرة وتونس، والدليل على ذلك ان السياسة الخارجية لهاتين الدولتين لم تتغير حتى الآن.
ولم نسمع الا بعض التصريحات الخجولة من قبل وزير خارجية مصر بالنسبة للعلاقة مع ايران ومع حزب الله، كما ان وزيرة الخارجية الامريكية (هيلاري كلنتون) لا زالت تتحدث عن مصر كدولة حليفة، التغيير الوحيد فيها هو انتقال مبارك واسرته من القاهرة الى شرم الشيخ.
عندما قدمت كلنتون في الشهر الماضي لزيارة القاهرة حملت معها مسكنات تلائم الجروح التي يعاني منها المواطن العربي خاصة في مصر. لقد وضعت اصابعهاالملوثة بالاطماع والدسائس على جرح مصر الذي يؤلمها وهو حالة مصر الاقتصادية المتدهورة، انها تعرف ان نظام مبارك الذي دعمته الادارة الامريكيةلمدة ثلاثة عقود قد حول مصر الى ركام واطلال، المُسكن الذي حملته اصابعها المدنسة لا يزيد عن حوالة مالية تساوي 120 مليون دولار قدمتها للمجلس العسكري الحاكم، هدف تقديم هذه الرشوة هو امتصاص غضب شباب الثورة من مواقف الولايات المتحدة المعادية لحركات التحرر العربية باسم محاربة الارهاب وازدواجية مواقفها من احداث الثورة.
هناك رصيد آخر اثلج صدر الساسة في اسرائيل وهدأ روعهم وخفف من حمى قلقهم، تصريح ‘غيتس’ وزير الدفاع الامريكي الذي اعلن من خلاله ان الولايات المتحدة سوف تستمر في تزويد الجيش المصري بالسلاح الامريكي ولكن بالتنسيق مع اسرائيل، كما هو الامر في صفقات الاسلحة مع السعودية والدول العربية الاخرى، والغريب انه حتى الآن لم نسمع تعليقاً او رداً من الناطق باسم المجلس العسكري الحاكم في مصر على هذا التصريح، كأن هذا الشيء هو من المسلمات فيالعلاقات المصرية الامريكية.
التطمينات الامريكية لاسرائيل لا تنبع فقط من قوة تأثيرها وهيمنتها فقط، بل جاءت من افواه عدد من المسؤولين المصريين، خاصة من كهنة السياسة الذين دعموا الثورة ووقفوا وراءها، من بينهم عمرو موسى ومحمد البرادعي وغيرهما، فقد سارعوا لاطلاق تصريحات الترضية لاسرائيل وللولايات المتحدة، عندما اعلنوا اكثر من مرة وتطوعاً منهم ودون ان يطلب منهم ذلك، بأنهم سوف يلتزمون بجميعالاتفاقيات التي ابرمها نظام مبارك، خاصة اتفاقية السلام مع اسرائيل، رغم ادراكهم ان هذه الاتفاقية لم توقع في وقتها المناسب، ولم تنه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وبأنها عبارة عن شهادة ميلاد شرعية لوجود اسرائيل العدواني على حساب الحقالعربي في فلسطين، والزعيم المصري الذي سوف يستمر بالالتزام بهذه الاتفاقية سوف يستمر في سياسة التطبيع ودعم آلة اسرائيل الحربية بدعمها بالبترول والغاز.
ما يهم الولايات المتحدة في علاقتها مع مصر تحت سقف اية نظام فيها هو استمرار دوران عجلة العلاقات مع اسرائيل وزيادة سرعتها، كما يهمها منع وصول الاحزاب الاسلامية في مصر الى سدة الحكم، لأنها تؤمن بأن جميع هذه الاحزاب لا تختلف عن الاحزاب الاسلامية في ايران، هدفها الأول التصدي لكل المشروعات الامريكية في المنطقة وقطع كل حبال التواصل مع اسرائيل.
الولايات المتحدة تدعي بأنها معنية بقيام نظام ديمقراطي في مصر وتونس وبقية الدول العربية، لكنها تريد ديمقراطية على مقاس مصالحها ومصالح اسرائيل، ولا يهمها مقاس ومصالح الشعوب العربية، والدليل على ذلك موقف الأدارة الامريكية في عهد الرئيس بوش الابن من نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة التي فازت بها حركة حماس، ولكن رغم شفافية هذه الانتخابات الا ان الولايات المتحدة ساهمت فيافشالها والمشاركة في مقاطعتها وهذا يؤكد بأن الادارة الامريكية لا يوجد لها اصدقاء، بل توجد لها مصالح تدعم هيمنتها.
تميم منصور