مهرجان المبادرات ‘هل القذافي محاور نزيه؟’

حجم الخط
0

عبدالدائم اكواص تكثر في هذه الأيام المبادرات التي تتناول الأزمة الحالية في ليبيا، لعل من بينها المبادرة التركية التي تحاول أن تسوقها مع الجامعة العربية، وكذلك المبادرة التي يرعاها الاتحاد الأفريقي، وذلك استباقاً لاجتماع مجموعة الاتصال الخاصة بليبيا التي ستلتقي في الدوحة يوم الاربعاء القادم. المزعج والمحبط في هذه المبادرات أنها مازالت تتعامل مع الأزمة الليبية وكأنها حرب بين حكومة ومتمردين أو مجموعة انفصالية؛ وليس ثورة شعبية عارمة ضد نظام قمعي، وأن هذه الثورة كانت سلمية ولكن وحشية النظام جعلتها تتحول إلى انتفاضة مسلحة، بل إلى حرب تحرير وطنية.

ولعل السؤال الذي يجدر طرحه الآن أين كانت كل هذه المبادرات طوال الأسابيع الماضية التي كانت فيه كتائب القذافي تقوم بتقتيل الليبيين ببشاعة ووحشية لا يشبهها في ذلك إلا (صبرا وشاتيلا) واجتياح غزة، ثم لماذا لم تتضمن كل هذه المبادرات طلباً صريحاً للقذافي بأن يتوقف عن ذبح أبناء ‘شعبه’ الأعزل؟ إن القاتل واضح والضحية واضحة، ولا نحتاج إلى (إينشتاين) ليحلل لنا هذه المعادلة. إنها المرة الأولى في تاريخ البشرية التي يقوم فيها حاكم باستجلاب مرتزقة من كل مكان في العالم لضرب شعبه، ومن أجل ماذا؟ من أجل أن يبقى في الحكم. هذا الحاكم الذي شاهده العالم أجمع وهو يصف شعبه بالجرذان والمقملين، فقط لأنهم تظاهروا سلمياً – وأقول سلمياً ـ ضده مطالبيه بالرحيل، بعد أن خبروه لمدة اثنين وأربعين عاماً كان خلالها يعاملهم فيها كالقطيع، ويجري عليهم كل أنواع التجارب السياسية من ‘السلطة الشعبية’، التي يسميها الليبيون ‘سلاطة شعبية’، إلى ‘الفكر الجماهيري’، إلى ‘الفاطمية’، وليس انتهاء بالمغامرات العسكرية الخاسرة في تشاد وأوغندا ولبنان.

هل هناك شعب واحد على وجه الأرض لم يتأذَ من القذافي؟ يمكنكم أن تذكروا ما شئتم من أجناس، فما من جنس واحد نجا من عدوانية القذافي وحقده؛ ابتداء من الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين، وحتى شعب تشاد والسودان، إلى العراقيين، إلى أمريكا وبريطانيا وفرنسا.

وقبل أن يتقدم هؤلاء بأي مبادرة تطيل من حكم القذافي الفاقد للشرعية، وهم أطراف لا تحظى بثقة الليبيين على أية حال؛ أقول قبل ذلك، هل سأل هؤلاء أنفسهم إن كان القذافي شخصا يمكن الوثوق به. سأدع الإجابة عن هذا السؤال للقارئ، ولضمائر هؤلاء المبادرين، إن كانت السياسة تحركها الضمائر والإنسانية أصلاً.

ولنفترض جدلاً أن الليبيين قبلوا بإحدى تلك المبادرات، وجنحوا للسلم، فما الذي سيحدث بعد ذلك؟ تتحدث بعض التسريبات عن فترة انتقالية – ربما تصل إلى ثلاث سنوات- يقودها سيف الإسلام، بينما يتنحى معمر القذافي عن السلطة ـ التي ينكر هو شخصياً أنه يملكها، نحو تحول ديمقراطي دستوري.. ‘دستور يا اسيادنا’. هذا على الإقل ما قالته بعض التسريبات، وبالتالي سأضطر للرد عليها، ووضع القارئ في صورة ما سيفعله الابن في هذه الفترة: ستقوم مليشيات القذافي ‘بتطهير’ كل المدن والقرى التي انتفضت ضده ‘بيت بيت’ و ‘زنقة زنقة’ مما سيؤدي إلى الاف الاعتقالات، والاف الاغتيالات بعيداً عن وسائل الإعلام. كما سيقوم النظام ‘بتطهير’ كل الأجهزة والوزارات من المشكوك في ولائهم له، والتطهير سيكون طبعاً بالحبس أو القتل. سيقوم النظام ـ وهو الأخطر في نظري- بتجنيس مئات الالاف من العرب الأفارقة المقيمين في شمال مالي والنيجر وتشاد، ما يضمن له شيئين: أولاً: الفوز في أية انتخابات قد تتم تحت إشراف مراقبين دوليين، وثانياً: ضمان الولاء المطلق لهؤلاء الالاف – وربما الملايين- الذين سيتم تجنيسهم، والذين سيكون وجودهم مرتبطا بوجود النظام، كما أنه بتجنيس كل تلك الأعداد سيضمن تغييرا ديموغرافيا ليبيا ممن سيمكنه من البقاء لسنين ـ أو ربما لقرون – قادمة، وسيشفي غليله من ‘الجرذان’ ‘المقملين’ الذين انتفضوا ضده بتحويلهم إلى أقلية داخل بلادهم.

إن أية مبادرة ترى في القذافي وأبنائه محاورين نزيهين، أو رجالا يمكن الوثوق بهم؛ هي مبادرة ستولد ميتة، وستبخس دماء الشهداء الذين قضوا على يد مليشيات القذافي، وستطيل من معاناة الشعب الليبي.’ شاعر وكاتب ليبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية