أحمد السنوسي الحياة لا تقيم في منازل الأمس. والثورات ترفض، بدورها، الإقامة في بيت العنكبوت، مثل ذلك الطائر الوليد المتوجس من انقضاض المخالب الحادة عليه في أي وقت وحين. وسيكون من باب الرومانسية البلهاء أن نقتنع بأن نهاية الديكتاتور تعني بالضرورة، وبشكل أوتوماتيكي، نهاية الديكتاتورية والمظالم والفوارق الطبقية وشبكات الفساد المستشري بشكل سرطاني، كما لا يعني رحيل الظالم رحيلَ الظلم وسقوط المنطق التبريري والتعليلي الذي يتمسك بالذرائع والعلات الرافضة للانخراط في أي إصلاح، مهما صغر شأنه.
تمسك الديكتاتوريون خلال عقود الاستبداد بمنطق ذرائعي شعاره ‘لا نملك عصا سحرية’، لكنهم تمسكوا بالعصا لمن عصى السلطان، ينزلون بها على رؤوس المعارضين والرافضين والبسطاء من أبناء الشعب، مهما علا سقف مطالبهم المعيشية أو انخفض.
ولقد صدق المستبدون ولو كذبوا. فالعصا السحرية حققت لهم ثروات هائلة في رمشة عين، وملأت السجون والمعتقلات عن آخرها، وحولت الأموال الوطنية، قبل أن يرتد إليها طرفها، إلى أرصدة في البنوك العالمية التي لا يهمها مصدر تلك الثروات، سواء كانت حصيلة نهب أو مخدرات أو متاجرة في البشر. ففي كل الحالات، تنجح تلك البنوك في تبييض سواد الأموال المنهوبة من الشعوب المظلومة، بنفس الطريقة التي تبيض بها ‘الأنظمة الديمقراطية’، في الغرب الأوروبي والأمريكي سوادَ الديكتاتوريات العربية. فهي تقتات منها كما يقتات مصاصو الدماء من دماء ضحاياهم حين يعم الظلام، كما تقول الأسطورة. وأكيد أن عصا الاستبداد السحرية تسير بسرعتين، فمفعولها يصاب بالشلل التام حين يطلب منها أن تفعل فعلها في تحريك ‘الإصلاح’، علما بأن الأنظمة المبنية على الاستبداد والفساد لا يمكن إصلاحها ولا يمكن أن تصلح شيئا أبدا، وعلاج أحوال الأمة هو استئصال هذه الأنظمة الوبائية من جذورها. لكن نفس المفعول يسير بسرعة الضوء كلما تعلق الأمر بخدمة مصالح الديكتاتور وبطانته وحريمه وأولياء نعمته في الداخل والخارج.
ويحز في النفس أن القائمين على شؤون مرحلة ما بعد سقوط الديكتاتور يقتبسون من الماضي الأسود منطقه الذرائعي وأسطورة العصا السحرية، والتعلل بأن الوقت نفسه في حاجة إلى مزيد من الوقت لكي تتحرك المنظومة الديمقراطية في الاتجاه الصحيح، عوض ترك دار لقمان الاستبدادي على حالها. فهل خلف لقمان نفسه، بعد أن غادر رمز التسلط المشبع بالزوائد والملونات والدهون المضرة بصحة الناس، ليتم تعويضه باستبداد ‘لايت’، خال من السكريات والدهون، مغلف في ورق الهدايا، مربوط بخيط أحمر رهيف يسر الناظرين. سيكون من المسيء لمستقبل الثورات العربية الناشئة أن تنتشر صور مواطني دولة أسقطت ديكتاتورها لجأوا إلى جزيرة ‘لامبيدوسا’ الإيطالية، طلبا للعيش الكريم. وسيكون الأسوأ هو التعلل بغياب العصا السحرية لمواصلة تكبيل الصحافة وحرية الرأي والتعبير، ذلك أن شعار الجماهير الثائرة الغاضبة على حكامها وأنظمتهم الديكتاتورية، المرابطة في ميادين التحرير إلى حين حصول الانعتاق الكامل، هو: ‘هنا والآن’، لا تأجيل، لا تسويف، لا مناورات، لا لربح الوقت، ولا لإعادة إنتاج الماضي الاستبدادي بأقنعة الحاضر. ‘ كاتب وفنان مغربي